لكبيرة التونسي (أبوظبي)

نشأت وسط مجتمع مترابط ومتراحم ومعطاء، ورغم بساطة الحياة وقلة الموارد، تزخر ذاكرة سعيدة الواحدي بالكثير من الصور والمشاهد المبهجة، التي تستيقظ كلما حل الشهر الكريم، فتسدل على نفسها راحة وطمأنينة وتشعر بحنين لذلك الزمن الذي كانت فيه الفتيات الصغيرات ينعمن بالحرية سويعات بعد الإفطار، حيث كان يسمح لهن بممارسة الألعاب الشعبية وتقمص أدوار الأمهات، بينما يجتمعن وقت الإفطار، وهن مزودات بما لذ وطاب من المأكولات الشعبية ليتشاركن في تناولها، ما جعل رمضان يشكل لهن كل معاني السعادة، أما الأطفال الذكور، فكانوا يمارسون الألعاب الشعبية، ويتسابقون على أخذ طعام الفطور للمسجد والتنافس على حفظ القرآن، الذي كان سمة غالبة في ذلك الوقت بين الأطفال من الذكور والإناث، ليأتي العيد فتعم الفرحة والبهجة في الفريج.

  • سعيدة الواحدي: «أعياد الفريج.. بهجة الروح

قالت سعيدة الواحدي، إن المجتمع الإماراتي تسوده الرحمة والعطاء والتعاون، حيث يتضاعف الشعور بالآخر، وتسود أجواء التعاون والتسامح، وهذا ما يميز المجتمع منذ قديم الزمان، وأشارت إلى أن رمضان في السابق كانت تسبقه العديد من التحضيرات، كطحن الحبوب في الرحى، ودق البهارات في المنحاز، بحيث كانت هذه الأدوات أساسية في كل بيت إماراتي، وتجتمع الجارات وتتعاون على طحن حبوب القمح ودق البهارات في أجواء تتخللها المحبة، وتجهيز المير الرمضاني، بينما يتحرى الرجال ممن يتميز نظرهم بالقوة ومن يثق فيهم المجتمع، شهر رمضان، ويعلن قدوم الشهر الكريم بإطلاق صوت المدفع، فتجهز النساء السحور الذي كان بسيطاً يتكون من اللبن والأرز الأبيض، والتمر، بينما يصلي الجميع صلاة التراويح، ويتبادلون التحية ومباركة الشهر الفضيل، حتى تمضي أيام الشهر، ويأتي العيد بصوت الفرح والبهجة، معلناً فصلاً جديد من التعاون والتكافل وصلة الرحم.

سعادة وبهجة
وأعربت الواحدي عن سعادتها كونها ما زالت على علاقة مع صديقات الطفولة اللواتي عشن في أبوظبي ومارسن طقوس الصبا معاً، موضحة أن أهل الحي جميعاً كانوا يعيشون أسرة واحدة، وكان النساء يتعاون في إعداد مائدة رمضان، مشيرة إلى أنه في ذلك الوقت لا وجود لفقراء، لأن أهل الحي كان يطعم بعضهم بعضاً، فكل واحدة من نساء الحي تعد طبقاً وتحضره إلى مائدة الإفطار المشتركة، كل يوم في بيت إحداهن، كما كان الرجال يجتمعون على مائدة إفطار واحدة أيضاً، وتتبادل البيوت الأطباق، وكانت المائدة تضم العديد من أصناف الطعام من هريس ومرقوقة وخبيصة وخبز محلى ولقيمات وثريد وفريد وغيرها من الأطباق، وساكو وغيرها من الأطباق، وكانت كذلك المجالس مفتوحة الكل مسموح له بالدخول وشرب القهوة وتناول الطعام وتبادل أطراف الحديث ثم المغادرة، وللأطفال نصيب كبير من سعادة وبهجة الشهر الكريم، بحيث كانت الأم تعطي بنتها جزءاً من الطعام لتفرش السفرة، ويتناولن الطعام مع بعضهن، يصلي الجميع المغرب بعد تناول اللبن والتمر أو الماء والتمر، ثم يعودون لتناول طعام الإفطار، وبعد ذلك يقوم الرجال بصلاة التراويح في المسجد، بينما النساء في البيت.

  • سعيدة الواحدي: «أعياد الفريج.. بهجة الروح
    رمضان زمان فرح وبهجة للفتيات (أرشيفية)

أبو طبيلة
ومن الذكريات الجميلة التي تسكن ذاكرة الواحدي مرور المسحراتي من الفريج، أو أبو طبيلة وقت السحر، والذي كان ينادي، ويقول: «يا نايم الليل قم تسحر، يا نايم الليل قم اذكر الله» إلى جانب ممارسة الألعاب الشعبية، كما كنا ننعم بحرية جزئية نحن الفتيات في شهر رمضان، حيث كان الأهل يسمحون لنا باللعب وممارسة الألعاب الشعبية، منها خوصة وبوصة والصقلة، بينما يمارس الأولاد لعبة التيلة وخبز رقاق وغيرها من الألعاب.
وأضافت ساردة الذكريات الجميلة المرتبطة بطفولتها في رمضان: كان والدي يعمل في تجارة الأغنام، وكان لدينا «زريبة» صغيرة في البيت، وكنا نشعر بسعادة بالغة عندما تلد الأغنام، ونرى صغارها وتعد لنا الوالدة (اللبا)، لتناوله وقت الإفطار، حيث كنا نتسابق لأكل ما تبقى في أسفل القدر، كان طعاماً لذيذاً ورائعاً بالنسبة لنا.

البيت المعطر
ومن العادات المشتركة بين الماضي والحاضر، قالت الواحدي: إن البيوت الإماراتية كانت وما زالت تعتني بالعطور والعود بشكل كبير، وتتنافس على اقتناء أجود أنواعها، وأشارت إلى أن النساء كن يعملن على تعطير البيوت بالعود، بينما تستقبل الضيوف خلال رمضان في طقس جميل لشرب القهوة وتناول الطعام وقبل المغادرة يتم التعطر بالعود، وكلها طقوس ما زال المجتمع محافظاً عليها إلى اليوم، حيث تخصص ميزانية لشراء أجود أنواع العطور والعود، مؤكدة أن العود كان يجلب من الهند، أما اليوم فتعددت المصادر بينما تقوم النساء بصنع خلطات عديدة من الدخون والعطور أيضاً، بحيث تتميز البيوت الإماراتية برائحتها الطيبة، سواءً الأغنياء أو الفقراء.

  • سعيدة الواحدي: «أعياد الفريج.. بهجة الروح

البيت العود
قبل قدوم العيد بأيام تتعاون النساء على تجهيز ملابس العيد، فكل واحدة تقوم بخياطة جزء معين، وتحضر المأكولات لاستقبال الزوار يوم العيد، بينما تقوم الأمهات بتخضيب أيادي الفتيات بالحناء ليلاً، وفي الصباح الباكر يستقبل الجميع العيد بصلاة العيد والعيدية واستقبال الأهل والأحباب وتبادل الزيارات، ومن عاداتنا التجمع في البيت العود، حيث تجهز الوليمة والحلويات وتفوح رائحة العطور والعود.
سعيدة الواحدي التي انقطعت عن الدراسة بسبب زواجها المبكر استطاعت أن تحصل على الثانوية العامة، ثم على دبلوم جامعي عال، إلى جانب حرصها على تعلم الحرف التراثية، كالتلي والسد وسف الخوص، وتعمل جادة للحفاظ على هذا الموروث ونقله بطريقة مشوقة للفتيات لحفظه وتعلمه ونقله لغيرهن، كما توجت بجائزة الشارقة الدولية للتراث الثقافي فئة «الرواة» نتيجة جهودها وحرصها على صون التراث ونقله للأجيال وضمان ديمومته. ولم تتوقف الواحدي عند هذا الحد، بل تتعلم اليوم من حفيدها الذي تتابع دراسته عن بُعد كيفية استعمال التكنولوجيا الذكية من وسائل تواصل ودراسة واطلاع.