إعداد - شاكر نوري

مخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها، بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه، ولذا نسلط الضوء على المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة في عدد من مكتبات العالم حالياً.

بدأ البابا نيكولاس الخامس في إيطاليا بإرسال مبعوثين للبحث عن المخطوطات المهمة، وخاصة المترجمة من اللغة اليونانية إلى اللغة العربية في القرن الخامس عشر، وربما يعود هذا الاهتمام إلى القرن العاشر، عندما بدأ المستشرقون يزودون البابوات مكتبة الفاتيكان بالمخطوطات النفيسة، حيث أصدرت أربعة مجلدات ضخمة بفهارسها، حتى امتلأت دهاليز المكتبة لأكثر ثلاثمئة متر بأقدم المخطوطات. أما جغرافيا المخطوطات العربية والإسلامية، فتتوزع بين مكتبات عديدة، منها: المكتبة الماديشية في فلورنسا، والخزانة الثانية في البندقية، والمكتبة الأمبروزبانية في ميلانو. وتتميز المكتبة الأمبروزبانية بأنها بذلت جهوداً كبيرةً في شراء المخطوطات العربية، ويوجد فيها الآن 30 ألف مخطوط منها 2500 مخطوط عربي باللغة العربية.

  • إيطاليا.. سبّاقة في البحث عن المخطوطات
    القرآن الكريم باللغة الإيطالية

وتم فهرسة المخطوطات العربية فيها، ضمن مشروع معهد المخطوطات في جامعة الدول العربية في 1957، ومنها أقدم مخطوطة لكتب اللغوي الشهير سيبويه إلى جانب عدد كبير من دواوين الشعراء القديمة الصحيحة وكتب الطب والأدب.

وبالمقارنة مع فرنسا وبريطانيا وألمانيا، تأخرت إيطاليا في بحثها عن المخطوطات، وعلى وجه التحديد، قام مجمّع فلورنسا بأول اجتماع من أجل تجميع المخطوطات الشرقية من قبل مكتبة الفاتيكان في روما في 1441. وتم تدشين مطبعة ميديشيا في فلورنسا في 1584، إذ قامت بترويج الكتاب العربي في المشرق وتُقدر المخطوطات العربية والإسلامية في مكتبة ميديشيا لاورينسيانا بنحو 430 مخطوطاً، وتحتوي المكتبة الوطنية في تورينو على 109 من المخطوطات الإسلامية.
واشتهر الأخوان فيكييتي، وهما من التجار المهتمين بالتراث العربي، باقتناء المخطوطات من الإسكندرية والمدن العربية الأخرى والهند. ومن التجار الآخرين لويجي فرديناندو مرسيليي «1658 - 1730» وتمكّن من الحصول على 459 مخطوطاً عربياً من بودابست أثناء حصارها في 1686، ونقلها إلى إيطاليا، ثم اقتنتها مكتبة بولونيا.
كما قام الأميرال وجامع التحف من البندقية ياكوبو ناني «1725 - 1797» بالاستحواذ على المخطوطات العربية من تونس وليبيا. وكذلك اللغوي والمترجم إميليو تيزا «1831 - 1912» مدير مكتبة مارشيانا في البندقية، تمكّن من الحصول على مخطوطات عربية مهمة. وقام الرجلان بجمع نحو 106 مخطوطات عربية.
وقام الدبلوماسي روموالدو تيكو «1802 - 1867» بدور مهم في جلب المخطوطات العربية وتجميعها، ولا يمكن أن ننسى الأمير ليوني كايطاني «1869 - 1935»، الذي تبرع بعدد من المخطوطات العربية إلى مكتبة أكاديمية لينشيه الوطنية في روما التي تعتبر مستودعاً مهمّاً لنفائس المخطوطات العربية، حيث تَعُدّ قائمة المصنفات العربية 82 مخطوطاً، إضافة إلى 37 مخطوطًا في دار الكتب الوطنية في روما.

  • إيطاليا.. سبّاقة في البحث عن المخطوطات
    مخطوطة نادرة في إيطاليا

وكان لنشر كتاب «ذخائر المخطوطات العربية في إيطاليا» من 1921 إلى 1970 الذي ألفه المستشرق الإيطالي الكبير ريناتو ترايني، أهمية كبيرة في تطوير الاستشراق في إيطاليا لأنه كشف عن المخطوطات وكيفية الوصول إليها بسهولة.
وما يخص العناية التي أولتها المكتبات الإيطالية بحفظ نسخ من القرآن الكريم، يمكن اعتبارها من كنوز مكتبة الفاتيكان النادرة، ويبلغ عددها 144 مخطوطاً في أحجام متباينة، وتحتوي على منمنات وزخارف.
في حين يبلغ عدد نسخ مخطوطات القرآن الكريم الموجودة في سائر مكتبات روما نحو 71 نسخة، موزعة بين مكتبة كازاناتينسي ومكتبة أكاديمية لينشيه الوطنية، ودار الكتب الوطنية في روما.
وقدم كثير من المستشرقين الإيطاليين مخطوطات شرقية ثمينة للبابا أوجين الرابع، كما أهدى أقباط مصر عدداً من المخطوطات العربية إلى مكتبة الفاتيكان، عند إنشائها سنة 1475.
وأسس الكاردينال فرديناندو دي ميديتشي مجموعة مطبعة «ميديتشي» الشرقية في روما عام 1584، وقامت بنشر النصوص العلمية والدينية باللغات الشرقية، وخاصة العربية، وعلى الخصوص، مخطوطة الشاهنامه للفردوسي الطوسي، 614 هـ، وهي أقدم نسخة في العالم.
وجاءت معظم المخطوطات العربية والإسلامية من المغرب العربي، ومن المشرق العربي والدولة العثمانية وبلاد فارس والهند. وقامت مكتبة الفاتيكان بنشر فهرس مهم لها تحت عنوان «المخطوطات القرآنية في مكتبة الفاتيكان وفي مكتبات روما» في 2001.
وتتوزع المخطوطات الشرقية في عدد من المكتبات الإيطالية، وهي 7 : مكتبة فيتوريو ايمانو يله، ومكتبة أنجليكا، ومكتبة أليساندرينا، مكتبة بارما، المكتبة الوطنية في فلورنسا، والمكتبة الوطنية في بالرمو، والمكتبة الوطنية في روما، وتحتوي على فهارس كاملة، ولا تنحصر المخطوطات العربية والإسلامية في العاصمة روما فقط، فهي تتوزع على المدن الإيطالية مثل مكتبة فلورنسا التي تعود إلى القرن السادس عشر.

  • إيطاليا.. سبّاقة في البحث عن المخطوطات
    الشاهنامة

أما من حيث قدم المخطوطات، فهي تعود في الأغلب إلى الفترة ما بين القرنين الثالث عشر والتاسع عشر، وتعتمد على النسخ، كما هو الحال مع مخطوطة «القصيدة الموسومة باللآلئ المصونة - في الصرف - وشرحها»، 710 هجرية، والأخرى لياقوت المستعصمي، أحد أشهر خطاطي بغداد، وهي من مقتنيات مكتبة فلورنسا التي عملت على أرشفة 193 مخطوطة عربية في خزائنها بالصيغة الرقمية.
والمكتبة الوطنية المركزية تأسّست عام 1747، وتحتوي على أكثر من 5 آلاف كتاب وأكثر من 24 ألف مخطوطة، ومن بينها آلاف المخطوطات العربية والإسلامية، وتقدم المكتبة فهرسا كاملاً بها، وتمت رقمنتها، وهي مُتاحة للباحثين والدارسين والطلبة الجامعيين.
وتمت ترجمة القرآن الكريم ومعانيه إلى اللغة الإيطالية، حيث قام المحقق: حمزة روبيرتو بيكاردو بترجمته وفهرسته كاملاً. ونشره مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في 946 صفحة.
وتم وضع المخطوطات العربية في المكتبة الجامعية بمدينة بولونيا الإيطالية على شبكة الإنترنت، كما تمت فهرسة ورقمنة مجموعة المخطوطات العربية التي تحتوي عليها المكتبة الجامعية المركزية بمدينة بولونيا والبالغ عددها 450 مخطوطة من كتب العالم الإيطالي لويجي فرديناندو مرسيلي «1658 - 1730».
وتدور المخطوطات العربية حول علوم الفلك والدين والفقه الإسلامي وعلوم النحو واللغة والعروض والجغرافيا والطب، وعلاوة على ذلك تحتوي هذه المجموعة الثرية على نسخ أصلية من القرآن الكريم وقواميس السير وأعمال متفرقة.

* المصادر:

Archives، Manuscripts and Dissertations - Italian Studies

Arabic Manuscripts: A Vademecum for Readers
المخطوطات العربية في المكتبات الإيطالية
- جديد الملتقى