أشرف جمعة (أبوظبي)

عبدالله أبوعابد الشحي من أساتذة الفن في الإمارات، وهو راسم البسمة على وجوه الكبار والصغار، وتمثل أعماله الإبداعية علامات في تاريخ الفن، ونظراً لهذا التاريخ المشرف، فهو دائماً يحب العودة إلى سيرة الماضي، والحديث عن ذكريات ارتبطت به في طفولته، وتمثل ذاكرة للفنون الشعبية التي كانت تؤدى في أعراس زمان، وفق طبيعة الاحتفالات التي اختلفت بشكل كامل عن أعراس اليوم، وهو حين يسلط الضوء الغامر على هذه المحطات التي كانت الفنون الشعبية تمتزج بتلقائيتها مع البيئات القديمة في الإمارات، فهو يسرد قصة هذه الفنون وارتباطها بالأجواء المحلقة التي كانت تجمع أهل الفريج وأهل المناطق المختلفة في إمارات الدولة على الابتسامة والفرح، حيث الفرق الشعبية التي كانت تصدح مثل العيالة وغيرها، وهي تعبر عن أسخى مواطن الفن في اللحظات التي يشعر فيها الناس بالتقارب الحميم، ومن ثم إبداء التلاحم في المناسبات، التي تجمع الكبار والصغار على بهجة لا تنسى، لتبقى في سجل الذكريات حكايات تسكن القلب ولا تبرحه.

  • عبدالله أبوعابد.. «قصة اللحن الشعبي»

يقول الفنان عبدالله أبوعابد: الفنون الشعبية الإماراتية جزء أصيل من مظاهر الحياة التي ارتبط بها الناس قديماً في كل مناسباتهم، فهي تعبر عن مدى تواصلهم الإنساني وقربهم الحميم من بعضهم بعضاً، فضلاً عن أنها بإيقاعاتها البسيطة وحركاتها التلقائية شكلت واحة الفنون في الزمن الماضي، وهو ما جعلها تتصدر المشهد في مناسبات الأعراس، وتلتحم بوجوه الحضور وتشنف آذانهم، وتربطهم بالأداء الموسيقي والحركي المعبر في الماضي، مبيناً أن البيوت قديماً لم تكن كثيرة، وهو ما ساهم في وجود ساحات واسعة أمام الفرجان، فكانت الفرق الشعبية تقدم عروضها في الأعراس من خلال الأغاني التراثية، وكانت مثل هذه الاحتفالات تبدأ من بعد صلاة العصر إلى وقت صلاة العشاء، ثم يتم تقديم فن «الليوا» الذي كان يعتمد على آلة نفخ وطبلة كبيرة، ويقف أفراد الفرقة في حلقة، ومن ثم يبدأ الضرب على صفيحة معدنية بالعصا لضبط وحدة الإيقاع، إضافة إلى طبل صغير، وطبل آخر يسمى «الجاتم»، مشيراً إلى أن فرقة «الليوا» كانت تقدم فنونها في حفلات الأعراس حتى الثانية عشرة صباحاً.

  • عبدالله أبوعابد.. «قصة اللحن الشعبي»
    «الرزفة» من تراث الوطن

تقاليد الماضي
ويذكر أبوعابد، أن حفلات الأعراس ارتبطت بالفنون الشعبية التقليدية في الماضي، وهي تختلف من منطقة إلى أخرى، إذ إنه في منطقة خورفكان وكلباء ورأس الخيمة كانت تؤدى الإيقاعات الموسيقية بشكل آخر عبر الطبول والحركات، وأن بعض الأعراس في مناطق كانت تنتهي عند الثانية عشرة صباحاً من اليوم نفسه، البعض الآخر ينتهي في السابعة مساء، أي عند صلاة المغرب، والبعض الآخر كان يقيم الأعراس على مدار أيام عدة، مبيناً أنه من ضمن تقاليد الماضي، أنه كانت تقدم الأكلات الشعبية مثل الثريد وأطعمة أخرى مثل البلاليط واللقيمات وغيرها، وأن الطعام كان يطهى أمام البيوت على الحطب، موضحاً أنه في ذاك الزمان كانت الأكلات الشعبية التي تطهى على هذا النسق لها طعم لا يوصف، لأنها كانت تعبر عن الفطرة الأولى والطرق البدائية في صنع الأطعمة.

  • عبدالله أبوعابد.. «قصة اللحن الشعبي»
    «العيالة» من أشهر الفنون الشعبية في الإمارات (الصور من المصدر)

زينة العروس
ويورد الفنان عبدالله أبوعابد، أنه في أثناء تقديم فقرات العيالة والرزفة والفنون الشعبية كافة كانت تقدم في الأعراس القهوة، ومعها أيضاً الشاي كنوع من الضيافة المعتادة، وأن أكثر ما كان يميز هذه المظاهر الاجتماعية، هي تلك الفرحة التي ترتسم على الوجوه بشكل تلقائي، رغبة في التعبير عن الألفة وإظهار المودة للجار أو القريب بمناسبة إقامة عرس لديه، مشيراً إلى أن المهور قديماً كانت بسيطة، وتتوافق مع إمكانات الناس المادية، ومن ضمن المظاهر الأخرى في الأعراس أيضاً أن «المعرس» كان يأتي من بيته مع ثلة من أصدقائه، وكان يزف حتى يدخل على عروسه، وكانت ترش العطور ويصدح المزمار ويبتهج الجميع، وأنه لم تكن هناك صالونات لتزيين الرجال والنساء، وإنما كانت تأتي سيدة فتزين العروس، وأن الناس كانوا يمرون على بعضهم بعضاً للذهاب معاً إلى العرس، تعبيراً عن المودة التي كانت سائدة في الماضي، والتي كانت من المظاهر الاجتماعية المتعارف عليها، وكانت تُحمل محتويات العروس في صندوق، ضمن احتفال يسمى «ذهبة العروس»، دليلاً على أن الحياة في الماضي لم تكن سوى صورة طبق الأصل من حياة الآباء والأجداد، كما أن طقوس الحناء كانت حاضرة أيضاً، وأن الأجيال تربت على هذه القيم والتقاليد التي لم تزل سائدة في المجتمع، رغم اختلاف مظاهر الأعراس، لكن بقيت الفنون الشعبية بآلاتها المعروفة وأهازيجها المختلفة، وأصبح كبار السن هم الذين يروون للجيل الجديد مثل هذه المظاهر التي ارتبطت بالأعراس قديماً، والفنون الشعبية التقليدية.

  • عبدالله أبوعابد.. «قصة اللحن الشعبي»