إعداد- شاكر نوري

مخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه، ولذا نسلط الضوء على المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة في عدد من مكتبات العالم حالياً.

لم يزر الهولنديون، في الغالب، الشرق الأوسط في اقتناء المخطوطات، إلا أن مستشرقيهم اعتمدوا على التجار الذين سافروا إلى الشرق الأوسط لشراء المخطوطات منهم أو من هواة محليين، خاصة من إيطاليا التي كان لها تقليد طويل في شراء المخطوطات الشرقية، باعتبارها كانت حلقة وصل بين جنوب وشرق المتوسط وأوروبا.

  • هولندا.. تحتضن أقدم المخطوطات العربية والإسلامية
    موسوعة «إنسكلوبيديا الإسلام»

وقد اشتهرت مدينة لايدن الهولندية بأنها تمتلك أقدم مطبعة ومكتبة متخصصة في الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية القديمة منذ 1683، كما أن جامعة لايدن معروفة عالمياً باسم المكتبة الشرقية، وكان لها السبق في طبع الكتب العربية والإسلامية، ومن بين مطبوعاتها النادرة أول نسخة للمصحف الشريف قبل حوالي أربعة قرون.
ويعد توماس إيربينيوس «1584 - 1624»، أول مستشرق هولندي سافر إلى الشرق الأوسط، وأصبح عام 1613 أول أستاذ رسمي للغة العربية في جامعة لايدن التي تأسست في عام 1575، وهي أقدم جامعة في هولندا، وتحتفظ بعدد كبير من المخطوطات العربية، وتقدم الجامعة خدمة توفير نسخ رقمية لـ400 مخطوطة عربية من بين آلاف عدة من المخطوطات، ومن ضمنها تاريخ الطبري في ثلاثة عشر مجلداً، وقد حققه المستشرق الألماني يوهان غوتفريد لودفيغ كوزيغارتن وترجمه إلى اللغة اللاتينية.
وتضم مكتبة لايدن الشهيرة 6 آلاف مخطوطة باللغة العربية ولغات أخرى، ولكن القسم العربي هو الأكبر بينها، وتعتبر أكبر مجموعة في أوروبا، ولها أهمية كبيرة في الاستشراق والدراسات والأبحاث. وتمتلك المكتبة أقدم مخطوطة عربية في المكتبة، وترجع إلى النصف الثاني من القرن السابع، وهي عبارة عن عدد من مخطوطات المصحف الشريف التي تم العثور عليها إما في شبه الجزيرة العربية أو في العراق أو سوريا.

  • هولندا.. تحتضن أقدم المخطوطات العربية والإسلامية
    أجواء تشجع على القراءة في مكتبة لايدن (الصور من المصدر)

ومن بين المجموعات النادرة الأخرى، مخطوطة لأول كتاب باللغة العربية مكتوب على ورق ومحفوظ في أوروبا، ويرجع تاريخه إلى عام 960، وهو كتاب «غريب الحديث» لعالم اللغة والفقيه الإسلامي أبو عبيد القاسم بن سلام.
وتعتبر مجموعة الألماني ليفينيس وارنر من أهم المجموعات في مكتبة لايدن، وقد قدم إلى لايدن لدراسة اللغات الشرقية في عام 1638، وهي مكتوبة في معظمها باللغة العربية ولغات أخرى، ومن بينها مخطوطة «كتاب الأعشاب» الذي كتبه عالم يوناني، وتمت ترجمته إلى اللغة العربية في القرن الثامن أو التاسع وهو على الأرجح أقدم مخطوطة توضيحية باللغة العربية حول الموضوع العلمي، إضافة إلى مجموعة صغيرة من المخطوطات باللغة العربية من مقاطعة شنجيانج في الصين، حيث تعيش أقلية الأويجور المسلمة.
وبصورة عامة، يوجد في أمستردام ستة أماكن مهمة تحتوي على المخطوطات العربية والإسلامية، وهي: الأكاديمية الهولندية الملكية للفنون والعلوم، ومتحف الدولة، والمعهد الملكي للمناطق الاستوائية التي تضّم مخطوطات مجلوبة من إندونيسيا، ومكتبة الجامعة: أنشئت قبل جامعة أمستردام عام 1632، ومكتبة الجامعة الحرة، والمكتبة الفلسفية.
وتمت ترجمة معاني القرآن الكريم لأول مرة في جامعة لايدن، وفيها تأسست مدرسة لتعليم ثقافة الإسلام واللغة العربية. وتحتوي على أقدم مطبعة تراثية «مطبعة بريل» التي قدمت مئات الكتب العربية والإسلامية مترجمة إلى اللغة الهولندية على مدى القرون الثلاثة الماضية، ولا تزال تعمل. كما تحتوي على مكتبة باللغات الشرقية الغزيرة بالكتب التراثية العربية.

  • هولندا.. تحتضن أقدم المخطوطات العربية والإسلامية
    مخطوطة «طوق الحمامة»

ويمتد تاريخ اقتناء المخطوطات العربية والإسلامية في هولندا إلى زمن بعيد وكانت لجاكوبوس غوليوس الريادة في ذلك، فهو أول عالم هولندي يزور الشرق الأوسط لجمع المخطوطات، حيث زار المغرب، ومن ثم حلب في عام 1622 وقام بشراء نحو 200 مخطوطة عربية في مجال العلوم والرياضيات. وتتنوع مصادر اقتناء المخطوطات في هولندا، فبعضها يعود إلى المستشرق الفرنسي جوزيف اسكاليجيه، وبعضها الآخر إلى المستشرق الألماني لفينيس وارنر، وتمكنت جامعة لايدن من شراء نحو 700 مخطوطة عربية من أمين حسن المدني من المدينة المنورة.
إضافة إلى المجموعة النادرة من أوراق المستشرق الهولندي سنوك هرخرونيه الذي سافر شاباً إلى شبه الجزيرة العربية عام 1884، واعتنق الإسلام، وكان أول مصور أوروبي يلتقط صوراً لمكة المكرمة والمدينة المنورة.
ولهولندا علاقات طيبة مع العالم العربي، خاصة في مجال التعاون بينها وبين البلدان العربية، فلها علاقات وطيدة مع مؤسسات ثقافية عربية، وقد أهدى المعهد الهولندي بالقاهرة إلى الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية المصرية مجموعة من المخطوطات العربية المختلفة، إضافة إلى وثائق عدة وأربعة أفلام ميكروفيلم لمخطوطات، تضم 25 مخطوطاً في مجالات مختلفة، منها الفقه الإسلامي والفتاوى، والسيرة، والنحو والشعر والبلاغة وآداب الطعام وحياة الحيوان، وهي مرقمة ومفهرسة ومعقمة، لتكون مادة ثرية للباحثين والدارسين.
ولعل أهم مخطوط لكتاب «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي «ت 456هـ»، يوجد في هولندا، وقد ظل هذا الكتاب الذي توجد منه نسخة وحيدة في حكم المفقود، حتى عثر عليه مستشرق هولندي في عام 1068هـ يدعى فون وارنر الذي اشترى قرابة ألف مخطوطة، من بينها مخطوطة «طوق الحمامة» لابن حزم، وذهب بها إلى هولندا ثم أهداها لاحقاً إلى مكتبة جامعة لايدن الشهيرة. ولكنه لم يكن يعرف كنه هذه المخطوطة، ولا مؤلفها، وكان أول من اكتشفها المستشرق الشهير دوزي، فعمل على تحقيقها وترتيبها والتعريف بها.

  • هولندا.. تحتضن أقدم المخطوطات العربية والإسلامية
    مخطوط قديم

وعن دار بريل الهولندية الشهيرة التي تأسست في عام 1683 في مدينة لايدن الهولندية، والتي كانت الرائدة في التخصص في تاريخ الشرق الأوسط والدراسات الإسلامية، صدر أهم مؤلف وهو دائرة المعارف الإسلامية «الموسوعة الإسلامية» باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية التي ساهم في تأليفها أشهر المستشرقين في ذلك الزمن، ومنهم بروكلمان وكراوس وماسينيون وآرنولد وأربري وغولدتسيهر ولويس وغيرهم.
وفي عام 1987 صدرت نسخة جديدة من هذه الموسوعة باللغتين الإنجليزية والألمانية. وهي موسوعة تعنى بكل ما يتصل بالحضارة الإسلامية، بما في ذلك العصر السابق لظهور الإسلام. وقد ترجمت معظم مواد الموسوعة إلى اللغة العربية وصدرت بنسخة مختصرة في مصر، وأعيد طباعتها في الشارقة عام 1998. وتختزل مطبعة بريل تاريخ اهتمام الأوروبيين بالشرق تجارياً وثقافياً. وقد ساعد ذلك في ظهور تقليد جمع واقتناء المخطوطات والكتب باللغة العربية هناك.

المصادر:
Leiden University Libraries - Leiden University
هولندا والعالم العربي منذ القرون الوسطى حتى القرن العشرين
نيقولاس فان دام ترجمة أسعد جابر