أشرف جمعة (أبوظبي)

رحلته الطويلة مع الحياة، وخبرته في التعريف بالموروث الشعبي الإماراتي، ومن ثم تعايشه مع البيئة القديمة في الإمارات، جعل المستشار التراثي صالح البريكي ينقل العادات والتقاليد إلى الجيل الجديد، إيماناً منه بدوره في ترسيخ الكثير من قيم الآباء والأجداد في نفوسهم، تلك القيم والعادات التي تتعلق بشهر رمضان المبارك، حيث يعود الوالد صالح البريكي بذاكرته إلى الماضي التليد، مسترجعاً شكل الفريج القديم ومدى التفاعل بين الجيران في ساعة الإفطار، حيث المائدة التي تجمع الفريج، ومن ثم اللحظة التي يخرج فيها كل بيت ما لديه من طعام، في تواصل إنساني رحيب، وتكاتف اجتماعي عجيب، وألفة تعد مضرب الأمثال على مر الزمان.
يقول المستشار التراثي صالح البريكي: من الطبيعي أن يشاهد الجميع قبل أذان المغرب مشهداً عجيباً، حيث تفرش على الأرض البُسط بشكل متقارب، وتبدأ البيوت المتجاورة في هذه الساحة التي تتوسط الأبنية في حمل أطباق الطعام المتنوع، ومن ثم توضع عليها، لافتاً إلى أن كل الجيران يخرجون ما طهته أيدي النساء، موضحاً أن هذه العملية التي تتم كل يوم بهذا الشكل كانت منظمة، حيث إن أحد كبار المواطنين في الفريج كان يتولى توزيع الأطعمة، حتى لا تتشابه الوجبات على مائدة الإفطار، وهو ما كان يجعل كل بيت يقدم شيئاً مختلفاً، حيث إن بعضهم كان يقدم أطعمة مثل الهريس، أو القرص، أو الثريد، وغيرها من الأطعمة التي يطلق عليها اليوم الآكلات الشعبية.
ويرى البريكي أن حياة الماضي كانت تتميز بالبساطة، لذا فهي كانت تخلو تماماً من التكلف، وهو ما كان يرسخ بالفعل للعادات والتقاليد، ويرسخ للاحترام بين كل فئات المجتمع، موضحاً أن الأجواء قديماً في رمضان كانت تجعل الناس مرتبطة بمشاعر إنسانية لا توصف، بفضل قوة العلاقات الاجتماعية والتآلف غير المحدود، وهو ما كان له أثر كبير في تكوين الشخصية الإماراتية على مدار التاريخ؛ إذ إنه على الرغم من أن هناك تقدماً يفوق الخيال نعاصره في هذه الأيام، فإنه مع هذه الإطلالة الحضارية بقيت التقاليد الإماراتية راسخة في وجدان أبناء الوطن، وأن ما يميز الشخصية الإماراتية أنها لم تتأثر بأي شيء في مجال العادات والتقاليد.
الترحيب
ويذكر أنه من الأشياء التي يذكرها في رمضان، أن مائدة الفريج كانت مباحة للغريب وعابر السبيل، وأن الناس كانت تلتقط أي قادم من بعيد، حتى تأتي به وتجلسه، وتحسن وفادته، وتقدم له كل ألوان الضيافة، حتى لا يشعر بأنه غريب، وأن هذه الفضائل كان لها طابع خاص، فهي كانت تعبر عن الطبيعة الإنسانية الكامنة في نفوس أبناء الفريج الذين يحترمون الغريب، ويقدمون كل ما عندهم من طعام لعابري السبيل، فضلاً عن ترديد عبارات الترحيب، ومن ثم تحية الضيوف وإكرامهم بشكل كبير، ويشير إلى أن مثل هذه التصرفات كانت ترسخ في أذهان الأطفال قيم وتقاليد وعادات لا يمكن اكتسابها عبر الحديث عنها في المجالس، ولكن كانت تكتسب من خلال المعاينة الشخصية، حيث كان الصغار يرون تصرفات الكبار ويحاولون تقليدهم. 

الأذان 
ويرى أن الأطفال كانوا يساهمون في مائدة الفريج بشكل إيجابي، من خلال حمل أطباق الطعام من البيوت ووضعها على البسط وترتيبها بشكل متميز، وهو ما كان يشعرهم بأن لهم أدواراً لا تقل عن الكبار، خصوصاً أنه عندما كان أبناء الفريج يسمعون المؤذن الذي كان يصعد إلى المكان الذي يتيح له أن يرفع الأذان منه في المسجد، كانوا يتناولون طعامهم باطمئنان وهم يكثرون من الدعاء أن يتقبل الله منهم صالح الدعاء، شكراً منهم على الفضل واعترافاً منهم على المنة والنعمة، وأن هذه الأجواء الإيمانية كانت تشيع الفرح بين أبناء الفريج، فطبيعة الحياة في الماضي كانت تتسم بطابع إنساني رحيب، لذا فإن كبار السن كانوا يحظون بالمكانة، فهم أصحاب الكلمة المسموعة الرأي الذي يحترم، ووجودهم على المائدة كان يجعل الجميع يشعر بالبركة وسعة الرزق والاطمئنان، لأنهم بأحاديثهم الجذابة وترحيبهم بالآخر وعطفهم على الصغير، كان يجعل روحاً أخرى من الألفة تشع في أجواء المكان، 
ويورد أن النساء في ساعة الإفطار يجتمعن مع بعضهن بعضاً، من أجل تناول الوجبات في ركن خاص بهن، وإن كانت هذه المظاهر كانت تجعل للإفطار في الفريج شكلاً آخر، بخاصة أن الذكريات المرتبطة بالفريج كثيرة، وأن حكاياتهم لا تنضب لأنها كلها ترسخ للعادات الأصيلة.

البراجيل قديماً
ويبين صالح البريكي أن رمضان، بكل ما يحمل من مضامين روحانية، كان يجمع أفراد المجتمع على الألفة، وأنه في فصل الصيف عندما تشتد الحرارة، كانت البراجيل تلعب دوراً مهماً في جلب الهواء الرطب، عبر دومات الهواء التي يتم استقطابها من خلال فتحات، حيث كان ينصب البرجيل بشكل مؤقت في البيوت المصنوعة من سعف النخيل، من خلال بناء أربعة أعمدة بشكل مرتفع، وتغلف من الخارج والداخل بالطربال «الأكياس»، وأن التيارات الهوائية عندما تتجمع تولد نسمات هواء عليل فتخفف عن الناس الحرارة في هذه البيوت، حيث كان يعمد البعض للنوم أسفل البراجيل التي كانت مدعمة بمظلات واقية من الشمس، وهي التي تسمى الدعون، وأن الأغنياء هم الذين كان يشيدون البراجيل الدائمة التي تحتوي على زخارف وأشكال مختلفة، وتتميز بأنها تستطيع أن توزع الهواء إلى غرف البيت، فضلاً عن أنها مغطاة من الأعلى بأسلاك تسمح بالهواء، وتحمي من أي شيء ممكن أن يتساقط من الأعلى، ويرى البريكي أن جميع مظاهر الحياة القديمة في رمضان كانت ذات رونق خاص وجمال طبيعي محبب للنفس.