إعداد- شاكر نوري:

مخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه، ولذا نسلط الضوء على المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة في عدد من مكتبات العالم حالياً.
كان للأمراء الألمان دور كبير في جمع المخطوطات العربية والإسلامية أثناء رحلاتهم من أجل إنشاء مكتباتهم الخاصة، وعلى الخصوص في القرنين الثامن والعاشر، وبين أشهر الكتب «الجامع الصحيح» للبخاري، ونسخة من «تاريخ الرسل والملوك» للطبري، ونسخة من «ديوان أبي العلاء المعري» تعود للعام 475 هجرية.
ويبلغ عدد المخطوطات العربية في ألمانيا 40 ألف مخطوطة تتوزع في مكتباتها المختلفة، وأبرزها مكتبة جامعة توبنغن المتخصصة في دراسات التراث الشرقي والإسلامي، ومكتبة الدولة في برلين التي اقتنت ما يزيد على 6 آلاف مخطوطة حتى عام 1887 إلى 11730 مخطوطة.
وتحتوي مكتبة الدولة البافارية على 3894 مخطوطة، أما مكتبة غوتا فتضم 3317 مخطوطة، وعملت هذه المكتبات على صيانتها وترميمها وإعادة طبعها. وكذاك تمتلك مكتبات ولايتي برلين وبافاريا ومكتبة غوتا للأبحاث أكبر مجموعات من المخطوطات الشرقية.
وتوجد أكبر مجموعة من المخطوطات الشرقية في ألمانيا بمكتبة برلين بدأ العمل رسمياً في القسم الشرقي من المكتبة الحكومية ببرلين عام 1919. وثاني هذه المكتبات هي الواقعة في ولاية بافاريا في ميونيخ، وتمتلك 4200 مخطوطة إسلامية، انطلاقاً من مجموعة المستشرق يوهان ألبريشت ويدمانشتيتر «1506 - 1557» الذي جمع نسخاً من القرآن الكريم. وإضافة إلى ذلك، اشترت المكتبة الألمانية مقتنيات ثمينة من المستشرق الفرنسي إتيان مارك كواتميرري، ومجموعة من 157 مخطوطة عربية من اليمن، وتحتوي على 179 نسخة كاملة أو أجزاء من القرآن الكريم.
لم تكن لألمانيا أطماع في العالم العربي مثل بريطانيا وفرنسا أو إيطاليا، وهذا ما غيّر وجه الاستشراق في هذا البلد من خلال أهم مستشرقيها كارل بروكلمان «1886 - 1956»، وكارل فلرس «1857 - 1909» الذي ألف كتباً حول المخطوطات الشرقية والعربية العامية عند قدماء العرب، وعاش في مصر لفترة تولى خلالها الإشراف على المكتبة الخديوية، وماركس مولر «1809 - 1874» الذي أنجز ترجمة عدد من الأعمال مثل رسائل رسائل لابن رشد ولسان الدين الخطيب.
واهتمت الجمعية الشرقية الألمانية 1884 في مدينة لايبزيج بدراسة الشرق، وأصدرت مجلة، وأشرف عليها المستشرق هانيريش فلايشر، ونشر فهارس من المخطوطات الشرقية الموجودة في خزانة بلدية درسدن. وهناك عدد كبير من الوثائق والمخطوطات في المكتبة الحكومية «شتات بيبليوتيك» في العاصمة برلين 1661 أسسها فريدرش فيلهم فون براندنبورغ، من بينها أكثر من 15 ألف مخطوطة عربية، ويمكن الاطلاع عليها اليوم عبر الإنترنيت عبر الكتالوغات الإلكترونية في مجالات علم البلاغة والأحاديث والشعر والمراجع الطبية والقانونية والفلسفة.
وبدأ تجميع المخطوطات العربية والإسلامية عبر المستشرقين وأهدوها إلى مكتبة برلين منهم: المستشرق بيترمان وشبرغر، ودبلوماسيون عملوا في البلدان العربية والإسلامية.
وفي عام 2010 أصدرت المكتبة كتالوغات رقمية لنحو 480 مجلداً مؤرشفاً.
ويعود الفضل في جمع المخطوطات العربية والإسلامية إلى أمير براندنبورغ عام 1670، ومنذ القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر، حيث بدأت المخطوطات بالوصول إلى ألمانيا. واهتم فيتشايد القنصل البروسي في دمشق 1860 بجمع سيرة بني هلال وسيرة عنترة بنسخها الأصلية، مكتوبة بخط اليد.
ويعود الفضل إلى المستشرق الألماني فيلهلم ألبرت في إصدار عشرة مجلدات ما بين عامي 1887 و1899، شكلت أول نواة لأرشفة المخطوطات ووضعها ضمن كتالوغات مسجلة. كما توجد عشرات النسخ بخط اليد لقصص ألف ليلة وليلة، ومخطوطة «النافورة» 1280 وهي لكاتب مجهول. ومن الكتب النادرة «في ترتيب مملكة الديار المصرية» يدور حول الفاطميين وضع في القرن الخامس عشر. إضافة إلى كتاب «ذخيرة إسكندراني»، يتحدث عن المعتصم بالله.وكذلك مخطوط «القوانين الرسولية والأحكام الدنيوية» ويعود إلى عام 1210 لسمعان ابن يوسف الأحفيني. إلى جانب، أشعار نخبة من الشعراء أمثال المتنبي.
وبعد الحرب العالمية الثانية، تم توثيق المخطوطات الشرقية على مدى عقود كثيرة وعلى أيدي أساتذة ألمان مختلفين، بعد أرشفتها إلكترونياً، وبين عامي 1910 و1970 وضعت خمسة كتالوغات، أنجزها البروفسور زلهايم فاغنر مع أساتذة آخرين. وتعمل مكتبة برلين على تقديم خدمات إلى الطلبة والباحثين، وأقامت المحاضرات والمعارض بتقديم معرض مكون من 450 منمنمة ورسومات ومخططات ولوحات خط باليد إسلامية تعود إلى القرنين الرابع وعشر والخامس عشر.
وبعد أكثر من 50 عاماً من العمل، أشرف الألمان على تسجيل المخطوطات غير المسجلة، وذلك في 2022، وأطلق على هذا المشروع «كيه أو إتش دي» وهو مشروع فريد من نوعه يضم مخطوطات من المغرب إلى اليابان. «وتمتلك مكتبة برلين أضخم مجموعة من المخطوطات الشرقية أي نحو 42 ألف مخطوطة.
وستكون فهرستها جاهزة، وأنجز منها 140 مجلداً من الفهارس، أما مجموعة المخطوطات البافارية فتشمل نحو 17 ألف مخطوطة شرقية وشرق آسيوية، أقدمها يرجع تاريخها إلى القرن الثامن، منها مخطوطات كُتبت على سعف النخيل. وتمتلك مكتبة غوتا للبحوث في جامعة إيرفورت، في ولاية تيرينجين الألمانية، مجموعة قيمة خاصة من هذه المخطوطات، من بينها مصاحف نفيسة مخطوطة تعود إلى القرنين الثامن والعاشر.
وتمتلك ألمانيا أقدم مخطوطة لأجزاء القرآن، تتألف من سبع رُقوق مكتوب عليها آيات بالخط الحجازي من سورتي «النساء» و«المائدة» (من الآية 138 إلى الآية 155 من النساء، ومن الآية 172 من النساء إلى 87 من المائدة). يبلغ طول الرقوق حوالي 35 سم وبعرض 26 سم تقريباً. اشترتها مكتبة برلين في العام 1940 من المستشرق برنهارت موريتس الذي قام برحلات عديدة إلى سوريا والعراق. وعمل بين الأعوام 1896-1911 مديراً لـ «دار الكتب والوثائق القومية» (الكتب- خانة الخديوية) في القاهرة.
على أية حال، تعتبر ألمانيا من الدول التي كانت لها اهتمامات كبيرة بالمشرق العربي ومغربه، عبر القرون الماضية في البلدان العربية. ونجح مستشرقوها من خلال رحلاتهم الاستطلاعية والعلمية أو المهنية بجمع وثائق قيمة جداً منها أصلية، ومنها منسوخة وجدت لها مكاناً أميناً في مكتبة الحكومة «شتاد بيبليوتيك» في العاصمة برلين.