إعداد: شاكر نوري

مخطوطاتنا العربية والإسلامية، بكل ما تحمل من علوم ومعارف وجماليات، هي كنوزنا الروحية، وذاكرة الأمة، ولكن الآلاف منها متناثرة في المكتبات الأجنبية في العالم، حيث اقتناها الغرب عاشقاً وطامعاً، واستولى على كثير منها بعد أن كانت محفوظة في خزائن الكتب في المساجد والمدارس ودور العلم وقصور الخلفاء والأعيان.. وقد استنار الغرب بحضارتنا العربية الإسلامية العريقة، واستفاد منها في علومه ومعارفه، ولذا نسلط الضوء على المخطوطات العربية والإسلامية الموجودة في عدد من مكتبات العالم حالياً.

اللغة العربية قديمة في الهند قِدم الدِّين الإسلامي، الذي وصل إليها مبكراً، في أرجاء شبه القارة الهندية، وتاريخ المخطوطات العربية يعود إلى القرن الأول الهجري، ومن بعد ذلك، شهد القرن الثامن عشر اهتماماً بحفظ المخطوطات وتسجيلها في الهند على يد نخبة من الباحثين المسلمين الهنود، بإعداد سجل لبعض المخطوطات، وتحقيقها، وخاصة ما قامت به دائرة المعارف العثمانية بحيدر آباد، أو مكتبة رضا برامبور، حيث تحتضن الهند نحو 150 ألف مخطوطة ونحو 40 في المئة منها عربية، أي ما يزيد على 55 ألف مخطوطة عربية، يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجري، وفي بعض الهيئات العلمية يوجد ما بين 8 إلى 12 ألف مخطوطة عربية تحتاج لإنقاذها وفهرستها وتصويرها.
ومن بين المختارات النادرة الموجودة بالمكتبة من المخطوطات، هناك نحو 80 ألف كتاب مطبوع، ونحو 5800 كتاب باللغة العربية، ونحو 5500 مخطوطة عربية، ونحو 205 أوراق نخل، مكتوبة باليد، وآلاف المخطوطات المصغرة، ونحو 300 أنموذج للخط الإسلامي.
التراث العربي والإسلامي المخطوط موزّع في الهند في المكتبات ومراكز الأبحاث العلميَّة التي تحتوي على آلاف المخطوطات، من أهمّها مكتبة آزاد في جامعة عليكرة، ومكتبة شبلي النعماني في جامعة ندوة العلماء، ومتحف سالار جنك في حيدر آباد، ومكتبة جامعة عثمانية في حيدر آباد، ومكتبة رضا في رامپور، ومكتبة «خدا بخش» الشرقية العامة وغيرها.
وهي تحتوي على مجموعة كبيرة من المخطوطات العربية، منها «مكتبة دار المصنِّفين» التابعة الأكاديمية التي أنشأها العلامة شبلي النعماني «1857 - 1914»، ثمّ طوّرها كبار علماء وأدباء الندوة البارزين في القرن الماضي. وكذلك كتاب «وضع المخطوطات العربيّة في المكْتباتِ الهِندية» للدّكتور صاحب عالِم الأعظمي، الذي يجسّد واقعِ المكتبات والمخطوطاتِ العربية في الهند.
ومن أشهر المكتبات الأخرى، مكتبة رضا في رامبور التي تحتوي على أكثر من 90 ألف كتاب قديم مطبوع بلغات متعددة، من ضمنها أكثر من 21 ألف مخطوطة، بينها 5500 مخطوطة عربية. فضلاً عن 5 آلاف لوحة فنية من التصوير والمنمنمات النادرة، وأكثر من ثلاثة آلاف لوحة خطوط عربية، أبدعتها أيدي كبار الخطاطين العرب والمسلمين. وفيها أيضاً مخطوطات عمرها أكثر من ألف سنة، نُسخ بعضها على الرقاع وأوراق النخل، مثل المصحف الذي يقال: إنه كتب بخط يد على رقاع من جلود الإبل، وبالخط الكوفي المعروف بجماليته، على 343 ورقة.
وهناك نسخة أخرى من المصحف الشريف كتبت بخط يد عميد الخطاطين العرب والمسلمين، أبي علي محمد بن حسين بن مقلة البيضاوي البغدادي. وكان ابن مقلة رئيساً لوزراء بغداد وقتها، أي في العام 928م، وهو الذي اخترع خط النسخ، بدلاً من الخط الكوفي. إلى جانب ذلك، توجد نسخة مصحف مخطوطة تنسب إلى الإمام «جعفر الصادق» منذ 13 قرناً هجرياً، حيث توجد لأبى الحسن موسى، إضافة إلى نسخة من المصحف تعود إلى القرن الثالث عشر، خلال عهد الخليفة هارون الرشيد، كتبها الخطاط المعروف ووزير خليفة بغداد «ياقوت المستعصمي»، ترجع إلى القرن العاشر الميلادي، وهي نسخة نادرة، زيَّنها بالذهب، وألوان المعادن الثمينة.
وهناك نسخة مصحف خطّها وزيّنها بالذهبي، واللازوردي، والعقيقي، وهي نسخة وحيدة لا وجود لها في أيٍّ من المكتبات العربية والإسلامية. وممّا احتضنته مكتبة رضا، ولا وجود له في مكتبات أخرى، وكذلك مخطوطات تفاسير القرآن الكريم، وهو كتاب تفسير علي عبد الله سقيان الثوري، المتوفى سنة 777، تعود إلى القرن التاسع الميلادي.
وهناك كتاب يعدّ الأول بين ذخائر الهند والعالم الإسلامي، وهو كتاب: «رسالة غرامية في السلوك» للمؤلف أحمد الغزالي، شقيق الإمام الغزالي، المتوفى سنة 1123، مع مخطوطة نادرة لمؤلف «شرح الكفاية» للرازي.
وتضمّ المكتبة كذلك، مخطوط «ديوان بابر» المكتوب عام 1538، وهو يعدّ من الذخائر الأدبية والشعرية في العالم، وهو بخط يد الشاعر. كما تحتوي المكتبة على ديوان حافظ شمس الدين الشيرازي، المتوفى سنة 1388، الشهير في محاسن الكلمات ونوادر الحكم، ولا توجد سوى نسخة واحدة في الهند، وهي موجودة في مكتبة رضا في 402 صفحة. ومن بين المخطوطات العربية التي تحتوي عليها المكتبة، إضافة إلى الكتب التي تتناول موضوعات الأدب العربي والتصوّف والفلسفة والطب والفلك والرياضيات، والأديان.. وأغلبها لم يتم تحقيقه.
تمتلك الجامعة العثمانية في حيدر آباد 3418 مخطوطاً، منها 1673 مخطوطاً عربياً، والمكتبة السعيدية تملك ما يزيد على 3 آلاف مخطوط، معظمها مخطوطات عربية، منها: تاريخ دمشق لابن عساكر.
وفي مدينة بانتا بولاية بيهار يقع أهم مركز للمخطوطات العربية، وهي مكتبة «خدابخش» الشرقية العامة التي تضم أكثر من 20 ألف مخطوطة، منها قرابة 9 آلاف مخطوطة عربية. أمّا مدينة دلهي التي كانت عاصمة المسلمين الأوائل منذ عام 602، تحتوي على آثار علمية إسلامية تنتشر في المكتبات والجامعات والمساجد والمراكز الثقافية.
وقد أسس المنشي عبدالله مطبعة عربية في كلكتا بالهند في 1824 تولّت طباعة المصحف الشريف بالحروف العربية، وأُلحق بين سطور الآيات ترجمة لمعانيها باللغة الهندية، ويرتبط تأريخ طباعة المصاحف في الهند ارتباطاً عضويّاً بنمو حركة الطباعة العربية فيها التي قادها الأمير الهندي المسلم نواب صديق حسن خان، الذي كان يحرص على شراء المخطوطات العربية النادرة من كل مكان.
وأسس أربع مطابع عربية شهيرة، هي: المطبع السكندري، المطبع الشاه جهاني، المطبع السلطاني، والمطبع الصديقي. ولعل كتاب «معجم المطبوعات العربية في شبه القارة الهندية - الباكستانية»، الذي وضعه أحمد خان، الذي صدر ضمن سلسلة مطبوعات مكتبة الملك فهد الوطنية عام 2000، وقد اقتصر المؤلف في هذا المعجم على الكتب العربية التي طُبعت في الهند، مع فهارسها. وأهم العلماء العظام الذين خدموا العربية في الهند: المولوي عبدالرحيم الصفي بوري، وأحمد بن محمد الشيرازي، والمولوي تلطف حسين، والمولوي أبي عبدالله محمد السوري، وغيرهم من العلماء ومحققي كتب التراث.
والمعروف إن النشاط التجاري بين العرب والهنود يعود إلى الفتح الإسلامي وانتشار اللغة العربية فيها، ونجحوا في تأسيس دول وممالك عديدة استمرت قروناً، وهكذا بقيت خالدة باعتبارها لغة القرآن الذي يرثها مسلمو الهند. على أي حال، تحتوي هذه المخطوطات على كل أنواع العلوم والفنون الإسلامية مثل التفسير والحديث النبوي والسيرة والفقه وتراجم وسير أبرز رموز التاريخ الإسلامي ومختلف العلوم الشرعية والعربية، وغيرها من العلوم.