طه حسيب (أبوظبي)

«تلك مشاهدات وانطباعات، فيها ما هو اعتراف بحماسة العمران، اقتصرتها على إمارة أبوظبي، وكانت النيّة الكتابة عن مشاهدات بدولة الإمارات كافة، لكن وجدت نفسي عاجزاً، عن الإلمام... فالتفاصيل تزدحم.. «وما يدري خراشة ما يصيد».. لذا اكتفيت بأبوظبي.. ما أكتبه ليس بحثاً إنما هو سكب ما رأته العين وسمعته الأذن على الورق.. لا أُطالب فيه بآليات البحث العلمي».. هكذا، وصف الكاتب والباحث العراقي، رشيد الخيون، خلاصة كتابه المعنون بـ«أبوظبي.. تصالح العقل والثروة»، الصادر عن «دار مدارك للنشر».

بأسلوب المشاهدات والانطباعات انتهج الخيون طريقته الخاصة في رسم ملامح وصور بانورامية عن العاصمة الإماراتية يمتزج فيها التاريخ بالطفرة المعمارية مع إضاءات تشع تسامحاً ونهضة في مجالات عدة، مستنتجاً أن نعم الطبيعة من خصوبة المكان والماء، مؤثرات لا تعوّض في إيجاد العمران وتقدم المعاش، لكن يبقى العقل وما يفرضه في السياسة والإدارة هو الصانع الأول.

  • أبوظبي بعيون عراقية
    قلعة الجاهلي في مدينة العين

«على يد القائد المؤسس كانت بداية النهضة، فصل خصصه الخيون مؤكداً فيه إدراك المغفور له الشيخ زايد لأهمية التعليم، وقناعته بأنه مع العمران في المباني، لابد من عمران الإنسان، فكانت المدرسة «النهيانية» 1958 نسبة إلى آل نهيان في العين، من أوائل المدارس الحديثة التي لا تقتصر على تعليم الأمور الدينية، كما نشأت مدارس للبنات في أوائل ستينيات القرن الماضي.
ومن ينزل مطار أبوظبي يجد تلك المدينة «الندية بألفتها، ذات العمران المتناسق، التي لا تفرغ من نشاط اقتصادي أو فني أو ثقافي عالمي، يتوافد البشر عليها ويتوحدون فيها بلا حواجز»، تاريخ أبوظبي يبدأ باكتشاف بئر للماء العذب عام 1761، والتسمية تعود إلى أن المكان كان مرتعاً للظباء، وما يؤكد صحة التفسير وجود نقش يشير إلى ظبيْين على جدار أحد القبور بمنطقة العين، وتحديداً بحديقة هيلي.
أفلاج العين التي خصص لها الخيون فصلاً في كتابه، يُعرفها بأنها ممرات مائية تجري تحت الأرض شُيدت قديماً كأنفاق يمر عبرها الماء من منابعه الجبلية، بقنوات ضيقة لسقي بساتين النخيل، وكان الشيخ زايد ينزل إليها ليحول الماء مع مزارعي النخيل من مزرعة إلى أخرى، وحفر فلج الصاروج عام 1948 على امتداد 1500 متر بعمق 65 قدماً، وهو الذي حرّم قطع الشجر وصيد الطيور، صرامة من أجل إحياء الشجر والانتصار على «الرمال العطشى». وقبل ظهور النفط بقرابة عشر سنوات، زار زايد في عام 1953 بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وطالع آنذاك تجربة الحياة المتمدنة في تلك البلدان. وينوّه الخيون إلى متحف العين وما به من مشاهد يجلس فيها الشيخ زايد على الرمل وينام عند الأفلاج، وغيرها من مشاهد تجسد مسيرته حاكماً للعين خلال الفترة من 1948-1966.
الطريق بين أبوظبي ودبي يعكس تنمية واضحة في العمائر والطرق وصفها الخيون: «كأنك تقطع بين باريس ولندن»، حركة المرور منضبطة على مدار الساعة، ومراقبة بالرادارات، ومع ذلك لم تدعك الصحراء تنساها، حيث تعكس أسماء الأماكن بيئتها الأولى: أم الرمّول، بوذيب، الرمّاح، برّ دبي، كلباء. وحتى النخيل- بمداولاته المفعمة بالاستقرار في المكان- ملمح رصده الخيون، في الإمارات التي لديها ما يزيد على 40 مليون نخلة.

  • أبوظبي بعيون عراقية
    أبوظبي.. تصالح العقل والثروة

أيقونات تاريخية ومعالم تراثية في أبوظبي تطرق إليها الخيون، منها «برج المقطع» عند المدخل الجنوبي لأبوظبي، هو الأقدم بالإمارة، شُيد عام 1793 ويُقال: «إنه توأم قصر أو قلعة الحصن»، وكان شاهداً على رحلات الغوص بحثاً عن اللؤلؤ، ولطالما تغنى به الشعراء المحليون. والملامح التراثية لأبوظبي من مهن تقليدية وأعراف قبلية وبيوت بسيطة وأساليب المأكل والترابط الأسري وكل تفاصيل فترة ما قبل النفط، كانت هناك رغبة في تلقينها للأجيال الجديدة، وضمن هذا الإطار كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان يريد تعليم الناشئة الكتاب المعنون بـ«الرمال العربية» لـ «ألفريد ثيسجر- أو مبارك بن لندن، كما سماه البدو» لكي يدركوا كيف كان يعيش آباؤهم وأجدادهم، كما أن مهرجان «شاعر المليون» - يقول الخيون- إنه نشاط ثقافي من بين أهدافه ربط الشباب بأصولهم الثقافية.
جولات عديدة رصد فيها الخيون قلعة الجاهلي والمتحف الوطني ومتحف قصر الشيخ زايد بالعين، وسباقات الهجن، وجزيرة صير بني ياس، وما بها من بقايا دير تم اكتشافه عام 1992، وجزيرة القرم بتنوعها البيولوجي، وعن التسامح الراسخ في أبوظبي، يسرد الخيون مشاهدات لكنائس أبوظبي بتنوعها مابين الكاثوليكية والقبطية والإنجليكانية، خاصة بمنطقة المِشرف بأبوظبي، مبدياً إعجابه بالتجاور بين مجمع الكنائس ومسجد مريم أم عيسى (مسجد محمد بن زايد سابقاً)، ففي كل يوم أحد تسمع أجراس المجمع الكنسي وأيضاً الأذان من المسجد المجاور.