أحمد النجار (دبي)

بهجة شهر رمضان في الماضي، كان لها طعم روحاني يسكن أذهان كبار السن، ويلهب وجدان الجدات اللواتي يمثلن ذاكرة رمضان الفواحة بالقيم والحكايات الجميلة، وهناك عادات رمضانية ومظاهر اجتماعية لايزال البعض يواظبون على إحياء تقاليدها في ليالي الشهر الفضيل، بينما تخلى عنها الكثيرون بسبب نمط الحياة المتسارع وأدوات التكنولوجيا، وتتعلق باستقبال رمضان من خلال احتفالية «حق الليلة» في نصف شعبان أو تبادل الزيارات الاجتماعية، وإقامة المجالس الرمضانية التي تتضمن نقاشات حياتية وأنشطة ثقافية، مثل قول الشعر، وسرد أخبار الصيادين، وتبادل معارف ومواعظ وعلوم الحياة.

يجتمع الجيران على مائدة رمضانية مشتركة، يتناولون أكلات شعبية من تراث المطبخ الإماراتي، لكن لا مجال لمقارنة رمضان الأمس مع رمضان اليوم، فقد تبدل كثير من القيم والعادات، وغابت المجالس التي يقيمها الأفراد، باستثناء المجالس الرسمية التي تنظمها الجهات والمؤسسات، ذلك بسبب انشغالات الناس، وارتباطاتهم بأمور كثيرة، ولم يعد الجيران يلتقون على مائدة واحدة، فلا يجمعهم سوى السلام من بعيد لإسقاط واجب لا أكثر.

فوح الذكريات
وفي لقاء مع الجدة عتيجة المحيربي التي عصرت ذهنها لتروي لـ «الاتحاد» حكايات شائقة عن جوهر رمضان الذي وصفته بأنه عطر الماضي وفوح الذكريات الجميل في زمن الطيبين، حيث كانت طقوس استقباله تبدأ من ليلة النصف من شعبان، ويحتفل الأهالي بـ«حق الليلة» التي تشهد اجتماع الصغار والأطفال عقب صلاة المغرب وهم يرتدون ملابسهم الجديدة، وهي عبارة عن «كندورة» مع طاقية مطرزة، وتزهو الفتيات بملابس مطعمة بألوان فضية وذهبية، بينما يرددون أهازيج تراثية وهم يطرقون بيوت الفريج ينشدون من أهاليها حق الليلة منشدين، «عطونا الله يعطيكم.. بيت مكة يوديكم»، لينالوا بعض النقود والحلوى.

  • فرحة الصغار في رمضان (الصور من المصدر)

فرحة أسرية
وتابعت: كانت تمثل أيام رمضان بمثابة فرحة أسرية كبيرة خاصة، فقد كنا نتجمع نحن أكثر من 10 أمهات من الجيران اللواتي يقطنّ الفريج نفسه، وتبادر كل ربة بيت بإعداد أكلات متنوعة على مائدة الإفطار، فمنهن من تعد الخبز وأخرى تصنع عيشاً مع اللبن ومجبوساً باللحم، وهريساً وعرسية، وتبرز قيم التآلف الرمضانية من خلال عادة تبادل الأطباق التي تعزز الروابط المجتمعية، وتشعر الجميع بأنهم بيت واحد، وكانت هناك أدبيات ترافق شهر رمضان خاصة عند تناول وجبة الإفطار، حيث يجتمع رجال الحي مع الأبناء من الذكور في بيت كبير الأسرة سواء الجد أو الأب، وأحياناً يتم الإفطار في ضيافة أحد الجيران، ويتناوب الكل على تجهيز مائدة عامرة، لا تخلو من أكلات شعبية رمضانية، مثل العصيدة والهريس والثيثة والبلاليط والخنفروش وغيرها.

تقاليد مشتركة
وقالت عتيجة، إن طبيعة العيش أيام زمان، ونمط المساكن التي كانت متلاصقة مع بعضها، وهي تشبه تقارب الناس وتماسكهم وتمازجهم في الطباع وتآزرهم في الشدائد، توحدهم قيم نبيلة وعادات أصيلة وتقاليد اجتماعية مشتركة، تفرض عليهم المعاملة كإخوة وإشاعة الخير والمحبة كأهل، حيث يتشارك الضيوف في جلب أطباق وأكلات من منازلهم لتعزيز أواصر الود وتجاذب أحاديث وقصص الأجداد والمآثر وتلمس الأحوال وإحياء ليالي الشهر الكريم بالمحبة والعشرة الطيبة، ولا يغفلون بالطبع تخصيص مجالس للحريم تجتمع النساء والفتيات فيها لتعم أجواء السعادة وراحة البال.

  • الجشيد من عناصر المائدة الرمضانية

مغريات
وأضافت: كان الناس يتجاوزون مشكلاتهم وينسون خلافاتهم جانباً، ويتسامحون مع بعضهم بعضاً في رمضان، لم تكن هناك ضغائن ولا هموم كثيرة كانت الحياة سهلة والمعيشة بسيطة رغم قسوتها ورعونتها، لم تكن الظروف تقف حائلاً أمام اللمة الاجتماعية، ولم تكن هناك مغريات حقيقية تشغل الناس، ولا أدوات تواصل حديثة تغنيهم عن دفء التقارب الذي يملأ قلوبهم بهجة وسروراً عند صلة الأرحام وزيارة الجيران وتلمس أحوال الأهل والأصحاب.

أكلات شعبية
ولفتت المحيربي، إلى أن أبرز الطقوس الرمضانية التي كانت تعزز روحانية الشهر هي صلاة التراويح التي يجتمع فيها كل أبناء الحي، يقيمون بها مجالس لتعزيز الروابط ومناقشة أمور الحياة، ثم يشربون القهوة ويتناولون أكلات شعبية محببة، مثل التمور واللقيمات والخبيص والساقو والمضروبة وغيرها، أما وجبة السحور فقد كانت تتضمن اللبن والتمر أو الرطب مع بعض العيش «الأرز» والماء، وأحياناً خبز الرقاق أو بعض الأكلات المتبقية من وجبة الإفطار.

  • المريحانة لعبة تراثية قديمة

حناء وطبخ
وتتذكر عتيجة رمضان أول، وتقول إن له طعما مختلفا، ولاتزال رائحته تسكن الذاكرة، ويومياته تبعث على الحنين، ولا يفوتها أن تروي حكاياته وقصصا لأبنائها وأحفادها. وتضيف: كنا نستقبله بوضع الحناء على أيدينا كرمز للفرح، تعبيراً عن بهجتنا بقدومه، فقد كنا نجتمع مع أمهاتنا لإعداد الإفطار، ونقوم بطحن الخبز وتنقية الأرز وحلب الأغنام ونشعل الحطب لإعداد خبز الرقاق، ونساعد أمهاتنا في الطهي، ونتعلم منهن فنون الطبخ، بينما يروين لنا قصص الجدات من قبلهن، ونستمتع بأحاديثهن عن كفاح الأولين وجمال صبرهم في رمضان، ونتعجب من طريقة عيشهم البدائي ومظاهر سعادتهم رغم قسوة الحياة في الماضي، ونتعلم دروساً جميلة، ويضربن لنا أروع الأمثلة في الصبر والقيم والتقاليد والسنع والكرم والشهامة التي اتسم بها الآباء الأولون.

ألعاب تراثية محببة
لم تنس الجدة عتيجة المحيربي الصغار الذين تعتبرهم بهجة الشهر، وقد كانوا قديماً يحيون ليالي رمضان من خلال تجمعهم في الحي ويمضون أوقاتهم في ممارسة بعض الأنشطة الرياضية والألعاب التراثية، مثل لعبة المريحانة أو الأرجوحة والهول ولعبة المدفع ولعبة الخاتم، كما كانوا يتنافسون في ترديد بعص الأغنيات والأناشيد الدينية وغيرها.