خولة علي (دبي)

ليس فقط نظام البيت يتغير في شهر رمضان، ولكن الكون كله يتغير في هذا الشهر الفضيل الذي تفتح فيه أبواب الجنة، وتقبل فيه النفس على العبادة والرغبة في الاستزادة من العمل الصالح، ما يتطلب وقفة جادة تجعل الإنسان يسعى إلى تغيير ذاته إلى الأفضل، ويقوّم سلوكه ويضبطه حتى يتحقق مراده، ولكن كيف يمكن أن يوجه الفرد نفسه ويطوعها لذلك؟

معادلة بسيطة
ترى الدكتورة هالة الأبلم، مستشارة نفسية، أن «التغيير الإيجابي ينطلق من معادلة بسيطة تقول: انظر في واقعك وقيِّمه، وضع خطة واضحة للتغيير، وحاسب نفسك»، موضحة أن «أطراف هذه المعادلة كلها متوافرة في شهر رمضان المبارك، فالخطة موضوعة من الله تبارك وتعالى، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، بقي أن يتعرف الفرد على مواضع الخلل الكبرى في حياته، وأين يكمن التقصير ليجتهد في تعديله، ثم يجعل لنفسه ساعات للمحاسبة والمناقشة». ومن النصائح التي يمكن أن تقود المرء في شهر رمضان إلى التغيير، وفقها، أولاً، إخلاص النية لله تعالى، والتعرف على فضائل الصوم وقراءة القرآن الكريم، وضبط النفس وتقومها بعيداً عن السلوكات السيئة، وملازمة الصحبة الصالحة، الذين يعينونه في عمل الخير والتقرب إلى الله تعالى، والعمل على التقرب أكثر من الفقراء والمساكين، وتقديم المساعدة لكل من يحتاجها، والعمل على طرد كل الأفكار والسليبة، وعدم السماح للتعاسة أو للحزن بالسيطرة على المشاعر، مشيرة إلى أن صلاة التراويح فرصة لكل من يرغب في تحسين وضعه النفسي، وتجديد حياته والشعور بالراحة النفسية. وتخلص إلى أن رمضان يدرب الفرد على تحقيق التوازن بين متطلبات الروح والجسد.

نقطة انطلاق
من جهتها، تقول الدكتورة إسراء السامرائي، أستاذة علم النفس: «لقد اختص الله سبحانه وتعالى شهر رمضان عن باقي الشهور، وجعل فيه الرحمة والمغفرة والعتق من النيران، وفيه ليلة هي خير من ألف شهر، وهو يتميز بالطاعة والصبر والتحمل، والابتعاد عن الشهوات والرغبات، من أجل إرضاء الله سبحانه وتعالى، فالصوم يروّض النفس، ويتحكم بها من خلال الصبر، وتحمل الجوع والعطش، والسيطرة على الرغبات، وعدم ارتكاب المعاصي».
وتتساءل: «لماذا لا يكون رمضاننا هذا مميزاً؟ خاصة ونحن جالسون في بيوتنا، فلنعتبره نقطة انطلاق لتغيير جذري في حياتنا، فعدم صلاتنا في المسجد، وعدم ممارسة طقوسنا التي اعتدنا عليها فيما سبق، من لقاء الأقارب والأصدقاء على موائد الإفطار، يجب ألا تفتر همتنا، بل على العكس يجب أن نخلق أجواء إيجابية فيها، تتسم بالروحانية والتفاؤل، ولنتخذ قرار التغيير كهدف أساسي، تنطلق منه الأهداف الأخرى»، موضحة أن «التغيير يبدأ بالإرادة والرغبة الصادقة، والإصرار على تحدي النفس، وتطوير ذواتنا من خلال تشخيص مواطن الضعف والخلل وعلاجها، وتطوير الجوانب الإيجابية الحسنة فيها، وتنظيف النفس من الضغائن، وإبدالها بالتسامح والعفو والصفح، ولنبدأ بوضع أهداف مكتوبة نسعى لتحقيقها، فكلما كان الهدف مكتوباً، كان ملزم التنفيذ، ومنها ننفذ خطة التغيير الشامل لأنماط حياتنا». 
ومن هذه الأهداف، وفقها، «التقرب إلى الله بالطاعات المختلفة، كقراءة القرآن وتدبره، والدعاء والأذكار والمداومة عليها، وصلاة التراويح في جماعة في المنزل مع أفراد الأسرة، لخلق أجواء روحانية تشبه أجواء المسجد، فكل هذه الأعمال تشعرنا بالإنجاز، وتدفع النفس إلى الأمور الإيجابية، وتبعد عنها الملل والتفكير السلبي».

سنة الكون
ويقول عبدالله الأنصاري، مدير إدارة الأبحاث المجتمعية والتوعوية في مركز إرادة للعلاج والتأهيل حكومية في دبي: «التغيير من سنن الله عزَّ وجل في مخلوقاته، وحقيقةُ التغيير هو الانتقال من حال إلى حال، وقد يكون ذلك حسياً، فالإنسان يتغير، يكون صبياً، ثم يصبح شاباً، وبعد ذلك شيخاً كبيراً. أما التغيير المعنوي فقد يكون بخيلاً فيصبح كريماً، ويكون غضوباً فيصبح حليماً، وهكذا. وبناءً على هذا الكلام، فالإنسان قادرٌ - بإذن الله عزَّوجل- على إدارة التغير والتحكم فيه». ويضيف: «من رحمة الله عزّ وجل، أنَّ وفَّر للنفس البشرية أُسس التغيير الإيجابي، والتي يمكننا أن نلخصها في أمرين، أحدهما: القدوة والمثال، والثاني: المنهج والطريق. وهذا ما نصَّ عليه القرآن الكريم في معرض قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، سورة آل عمران، الآية:164. فما تغيرت أحوالهم إلا بهذين الأمرين، القدوة فهو بشر مثلهم وهو المثال لهم في طريق التغيير الإيجابي، ثم بيَّن مهمته وهي تلاوة القرآن، وهو المنهج الذي يسير عليه المؤمنون ليخرجوا من الظلمات إلى النور. وقدوتنا، نحن المسلمين، هو محمد عليه الصلاة والسلام، ومنهجنا هو الكتاب الذي أنزل عليه وهو القرآن الكريم، والذي فيه منهج التغيير». ويوضح أن للتغيير مواسم، أبرزها شهر رمضان. ففيه يكسر الإنسان النفس الأمارة بالسوء والتي تحول بين الإنسان وبين الانتقال من الشر إلى الخير، فالإمساك عن الطعام المباح والشهوة المباحة، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، تدريب على الإمساك عن أكل الحرام والشهوة المحرمة، وإمساك اللسان حال الصيام، تدريب للنفس على التحكم بالغضب، لأن الإنسان إذا فعل ذلك وهو صائم، ففعله حال الفطر أسهل. كما أن القيام والتهجد والسهر تدريب للبدن على تحمل المشقة في سبيل تزكية النفس. وكذلك تفطير الصائمين وإخراج الزكاة وإطعام الجيران، كل ذلك يعين الإنسان على التخلص من البخل واستبداله بالكرم والجود وسخاء النفس. والاعتكاف في أواخر رمضان في المسجد، فيه خلوة مع النفس وفرصة للمراجعة والتأمل، مؤكداً أنه لو بحث الإنسان في طرق التغير الإيجابي وما كُتب فيه في الوسائل، لوجدها لا تخرج عن هذه الأمور.