أحمد النجار (دبي)

تفتقد الباحثة التراثية حبيبة بن ثالث، مظاهر الحياة القديمة بمختلف ألوان العادات والسنع والتقاليد والقيم الجميلة، وذكرت ماما حبيبة «كما يلقبها كثيرون»، أن رمضان «أيام زمان» كان له نكهة بيضاء وخصوصية تراثية فوّاحة، حيث كان الأولون يستعدون للقاء الشهر بمنتهى الشغف، يحسبون الأيام والساعات من بدايات شهر رجب، وكانت لديهم حسابات دقيقة، وكنا نجلس مع جداتنا وأمهاتنا وهن يتبادلن الأحاديث وعبق الحكايات، ويستقبلن رمضان بالطاعات وزيارة الأرحام وإحياء الأمسيات الرمضانية التي يحتفي بها أهالي الفريج الواحد لتعزيز روح الألفة من خلال لقاءات يومية تجمعهم في مجلس واحد تدور بينهم نقاشات جادة حول أمور حياتية وهموم اجتماعية ويتبادلون أخبار الصيادين ويتلمسون أحوال بعضهم وسط أجواء يؤججها دفء التآلف.

وأوضحت أن الآباء الأولين لم يكونوا يخططون كثيراً للحياة بل كانوا يأخذون الأمور كما تأتي بعفويتها ويتقبلون رزقها عن طيب خاطر، فعلى سبيل المثال لا يضعون جدول الطبخ وأصنافه بل يطبخون ما كتب الله من رزق موجود، كانوا يظهرون تكاتفاً وتعاوناً في أبسط عناصر العيش، فكان كل فرد يطبخ طبقاً معينا، ويحرص على مشاركة جاره منه، وكانوا يتبادلون الأطباق والأكلات التراثية مثل الهريس واللقيمات والعصيدة، ويجتمعون عند الفطور في بيت أحد أهالي الفريج أو المنطقة، ويحرصون على استضافة الجميع ويستبشرون عند مرور عابر سبيل لكي يستضيفونه للإفطار معهم، مشيرة إلى حرص الإمارات من بداية الاتحاد على استضافة مشاهير قراء القرآن الكريم من مختلف الدول العربية، ومنهم عبد الباسط عبد الصمد والطبلاوي.

طقوس الفوالة
وتابعت: وكل يوم بعد صلاة التراويح كان الرجال يتجمعون بعد خروجهم من الصلاة، وينادي أحدهم وهو من توكل إليه جدولة الزيارات، فكل يوم تكون الفوالة في بيت، وكانت الفوالة على الهريس إلى جانب أطباق شعبية أخرى، وتبرز في تلك الجلسات مظاهر وقيم تحافظ على العادات والتقاليد، وكانت الأولوية للعبادات والروحانيات التي تصبغ أجواءهم بالبهجة والحميمية، وكانت أمسياتهم التي تتخللها أحاديث شائقة لا تمتد إلى ساعات متأخرة من الليل، فلم يكن الأولون بطبعهم يميلون للسهر، ولم تكن هناك عناصر تسلية تدفعهم لتأخير نومهم، لكنهم كانوا حريصين بالطبع على قيام الليل، من دون أن تفوتهم أيضاً وجبة السحور.

قيم ومظاهر غائبة
وتعود ماما حبيبة بذاكرتها إلى الماضي، وتتذكر والدتها أم جميلة: كانت توقظنا للسحور وتقوم بخبز الخبز ونحن حواليها، كانت أياما جميلة، ولا تزال النصائح والإرشادات التي حثتنا للحفاظ على صلاتنا وصيامنا حاضرة ونابضة في وعيي إلى اليوم، مضيفة أن هذه العادات والطقوس لا تزال موجودة في حياتنا المعاصرة مع اختفاء بعض من جوهر بريقها ودفء معانيها، فبعض من تلك القيم افتقدناها حقيقة وبعضها استبدلناه بتنوع الأطعمة وسهر الليل ونوم النهار، وهذا مضر بالصحة، لأن الصيام فرضه الله علينا لأنه «يفلتر» الجسم لكي يستعيد طاقته وعافيته وحيويته بعد عام من تخزين للسموم والدهون والهموم.

مشاعر القطيعة
وحول مظاهر استقبال شهر رمضان قالت: إن مشاعر الفرحة كانت تعم قلوب الجميع من نصف شعبان، حيث يستعدون لزيارة الأرحام وإشاعة مظاهر التسامح والصفح وتهذيب النفوس تجاه من أساء إليهم لاستقبال رمضان لاستقبال الشهر بقلوب صافية وضمائر نقية، وكانت طيبة الناس وبساطتهم وقناعتهم تذيب جليد الخلافات وتكسر مشاعر القطيعة وتنبذ الأحقاد والنميمة والبغضاء وتكرس سلوكيات ومعاني نبيلة تحث على تعزيز أواصر الود وتقوية الترابط الاجتماعي.

ترابط أسري
وأكملت: كان الترابط الأسري والاجتماعي حاضراً بقوة في دفء الزيارات التي تزدهر كل يوم من بعد صلاة التراويح لتلمس أحوال الأرحام، وتأتي ضمن الأولويات لدى جيل الأولين، وكانت ثمار الخير والبركة تعم الجميع، ويفوح أريج الفرحة في كل مكان، وتجد ماما حبيبة في حديث الذكريات هذا فرصة عظيمة لمخاطبة وجدان أبنائها من الجيل الحالي، ناصحة الجميع بالمحافظة على جمال الموروث وصون القيم وإحياء العادات الجميلة التي اكتسبناها من ديننا الحنيف من عبادات وكرم وأخلاق وضيافة وشهامة وزيارة الأرحام، ففيها خير كثير للوطن والمجتمع، وبركة غامرة في الأعمار والأرزاق.