أشرف جمعة (أبوظبي)

يغوص في سراديب الماضي، يستحضر ذكريات الآباء والأجداد والبيئة التي عاشوا في رحابها، وكيف تكيفوا مع الظروف والأحوال، وبنوا حياتهم العملية بالصبر والعمل، فهو ممن عاصروا جزءاً من بدايات الرحلة ولا يزال المستشار التراثي بنادي تراث الإمارات فلاح بن بشر يستثمر ذاكرته في البوح بعناصر الموروث في مختلف البيئات القديمة التي تعبر عن المحبة والتسامح، خاصة في شهر رمضان الفضيل، ومدى الألفة التي كانت تجمع الكبار والصغار على السمر بعد الإفطار، وبعد أداء صلاة التراويح، فضلاً عن استحضار ألعاب الصغار في تلك الأيام المباركة، خصوصاً أن هذه الفئة كانت تجعل لشهر رمضان طعماً آخر، وهم يمارسون ألعابهم الشعبية في الفريج، فضلاً عن طبيعة البيوت البسيطة المبنية من سعف النخيل، والتي تسمى بيوت العريش والبراجيل، وبيوت الطين.

  • فلاح بن بشر.. موروثنا رسالة محبة وتسامح
    فلاح بن بشر يتفحص نموذج المراكب التراثية

يقول المستشار التراثي فلاح بن بشر: كانت الحياة قديماً بسيطة وكان الناس يبنون بيوتهم بمواد من المصادر الطبيعية التي كانت توفرها لهم البيئة التي يعيشون فيها، لذا فإن البيوت قديماً كانت تبنى من سعف النخيل ويتم تعريشها وتتألف من عدد من الغرف وساحة أمام البيت، وكانت هذه البيوت تأخذ في العادة شكل المربع أو المستطيل ولها أبواب ونوافذ، وكانت تغطى في فصل الشتاء بقماش «الطربال» المصنوع من القطن والنايلون لمنع تسرب ودخول الأمطار إلى البيت.
ولفت إلى أنه في ذلك الوقت كان لدى البعض حيوانات مثل الجمال يعتمدون عليها في التنقل، ويستفيدون من حليبها الذي يعد مصدراً مهماً للغذاء، وكذلك التمر، وكان الجمل أفضل رفيق في البيئة القديمة لأن لديه قدرة على تحمل الجوع والعطش فترات طويلة، وكان الناس ينتقلون على ظهور الجمال من مكان إلى آخر، ما جعلها خير رفيق في الحياة قديماً، وكان يبيت في ساحات البيوت ويقدم له الطعام اليسير، مشيراً إلى أن الخيام أيضاً كانت من الأشياء الأساسية في حياة الناس قديماً، وتعتبر عن الأشكال الأولى للبيوت في الماضي، وكانت تصنع من شعر الماعز وصوف الغنم، وتخلط وتغزل وتبرم بإحكام ثم تطوى على شكل كروي وتنصب باستخدام الحبال والأوتاد، وكان يتم بناؤها في الماضي في الصحراء، ويتميز هذا النوع من البيوت في الإمارات بسهولة نقله من مكان إلى آخر.

  • فلاح بن بشر.. موروثنا رسالة محبة وتسامح
    فلاح بن بشر يتلمس ماضي الأجداد

وسائل التهوية
ويذكر ابن بشر أن البيوت قديماً مرت بمراحل مختلفة وفي كل مرحلة كان يتم مراعاة وسائل التهوية بشكل متميز من أجل التعامل مع درجات الحرارة العالية في فصل الصيف، وكانت البداية بيوت الطين وهي عبارة عن مزيج الماء والتراب أو مزيج من الطين والتبن والطوب، وهي بهذا الشكل تتشابه مع بناء البيوت من الحجر، إلا أن بيوت الحجر كانت أكثر صلابة وصموداً، وتعيش مدة أطول لقوة معمارها وأحكام طريقة بنائها.
وأوضح أن الناس قديماً بنت البراجيل، وهي ضمن أنواع البيوت التي كانت تتميز بنسق معماري خاص يعتمد على التهوية لكل غرف المنزل بحسب سعتها، والبرجيل له مسمى خاص في البيئة القديمة، حيث كان يطلق عليه مسرب الريح أو لاقط الهواء، وهو عبارة عن برج طويل مستطيل الشكل يعلو سطح المبنى، وله جوانب وأطراف متماسكة، ويتكون من أربعة أعمدة. ويعمل بطريقة خاصة حين يهب الهواء على السطح يمر عبر المنفذ إلى الداخل، والهواء الساخن يرتفع إلى الأعلى، ومع ازدياد حركة الريح يزداد الهواء، وبالتالي تكون عملية التبريد واسعة، وتم بشكل متميز، وكان الناس قديماً يتغلبون على الطقس القاسي بهذه البراجيل في فصل الصيف، ويبين أنه كان يتم بناؤها بأشكال ونقوش مختلفة، وكانت تبنى على ارتفاع معين من سطح المبنى، حيث تكون سرعة الرياح عند هذا الارتفاع أكبر بمرة ونصف مقارنة بسطح الأرض.

  • فلاح بن بشر.. موروثنا رسالة محبة وتسامح

حياة الآباء
وأوضح أن بعض البيوت القديمة لا تزال تحتفظ بالبراجيل في أحياء تراثية داخل الإمارات، وهو ما يسهل على الجيل الحالي التعرف على موروث مهم في حياة الآباء والأجداد، ويرى أنه على بساطة بناء البيوت قديماً إلا أنها كانت تأتي على نسق معماري فيه الكثير من الفن والذوق الذي يؤكد مقدرة الآباء والأجداد على التكيف مع بيئاتهم القديمة، ومن ثم تشييد بيوتهم بمعايير فنية أيضاً.
ويورد الوالد فلاح بن بشر أن الشهر الفضيل كان يتسع لألعاب الصغار الشعبية التي كانت تضفي على البيوت بهجة وفرحاً، حيث كان الأولاد يمارسون ألعابهم والبنات أيضاً، وهو ما كان يجعل للفريج صوتاً يملؤه الفرح الدائم، والكبار كانوا ينضمون للصغار أحياناً في حلقات اللعب، ومثل هذه المظاهر الرمضانية كان لها الأثر الفاعل في ترسيخ معاني وقيم الشهر الفضيل في نفوس الجميع.