أحمد شعبان (القاهرة)

أكد علماء بالأزهر الشريف على أهمية نشر ثقافة وقيم التسامح والعيش المشترك والحوار مع الآخر والتعاون بين أصحاب الأديان لمواجهة وتفكيك الفكر المتطرف والغلو والتشدد ومحاربة الإرهاب.. وقالوا لـ «الاتحاد»: إن المجتمعات التي يسودها التراحم والتسامح والتعايش لا تسمح بانتشار الفكر المتطرف فيها، وإن العالم في أمس الحاجة الآن إلى التماسك الإنساني، وتصحيح المفاهيم، ضد الذين يصلون إلى درجة الغلو والتطرف في الدين، وشددوا على أن الحوار بين أصحاب الأديان يجب أن يكون على المستوى الأخلاقي والمعاملات، وأن يكون قائماً على مبدأ العيش المشترك، القائم على ثقافة التسامح، وهو الذي يدخل البشرية في أصلها الأول في التعاون والتعامل.

السلام العالمي
قال الدكتور شعبان محمد إسماعيل أستاذ أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر، إن جميع الأديان وخاصة الإسلام حثت على السلام بين بني البشر، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً...)، «سورة البقرة: الآية 208»، مؤكداً لـ «الاتحاد» على ضرورة نشر ثقافة التسامح والتعايش والحوار مع الآخر لمواجهة الفكر المتطرف والإرهاب، من خلال المؤسسات التعليمية، والدينية والدعوية التي يجب عليها أن تُذكّر الناس بفضائل العفو والصفح التي أكدت عليها الأديان.
مشدداً على أنه إذا تضافرت الجهود التعليمية والدعوية والإعلام الديني التخصصي، فهذه تدابير وقائية للجيل الحالي حتى يُدرك قيم التسامح والتعايش مع الآخر، وحتى لا يجنح إلى الخصومات والعنف الفكري المتشدد والغلو والتطرف أو التكفير والإرهاب.
وأشار إلى أن آيات القرآن الكريم أكدت على أهمية التسامح والتعايش بين بني الإنسان باختلاف عقائدهم والتعاون بينهم، وهو السبيل الوحيد لمواجهة الفكر المتطرف، مؤكداً أن المجتمعات التي يسودها التراحم والتسامح لا تسمح بانتشار الفكر المتطرف بينها، قال تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىَ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ...)، سورة آل عمران: الآية 64، بدون إكراه في الدين.
وشدد على أنه ينبغي أن يعمل العلماء والدعاة على نشر ثقافة التعايش وقبول الآخر على أساس من التسامح وعمارة الأرض، أما المعتقد الديني فيجب أن تتعاون البشرية فيما هو مشترك بينها ويترك الجميع أمر العقائد، وقد قال تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)، «سورة الكافرون: الآية 6»، وهذا حجر الزاوية لنشر السلام العالمي والقضاء على الفكر المتطرف.

الغلو في الدين
ومن جانبه قال الدكتور عبد المنعم فؤاد عميد كلية العلوم الإسلامية بجامعة الأزهر: إننا في أمس الحاجة الآن إلى التماسك الإنساني، وتصحيح المفاهيم، ضد الذين يغالون في الدين، أياً كان دينهم أو ملتهم، مؤكداً أن الغلو والتشدد والتطرف مرفوض في الإسلام، امتثالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، مشيراً إلى احترام الإسلام لجميع العقائد والأديان.
وأكد عميد كلية العلوم الإسلامية لـ «الاتحاد» على أن الحوار بين الأديان يجب أن يكون قائماً على مبدأ العيش المشترك، فالدين علمنا ألا نتلاسن وألا يبغض بعضنا بعضاً، وأي غلو بالتجاوز في القول، مرفوض دينياً، خاصة في الإسلام.
وأشار د. فؤاد إلى أن قضية الأخوة بين الناس بغض النظر عن عقائدهم من القضايا المهمة، ويجب أن يخرج أصحاب الفكر المتطرف من بيننا لأنهم لا مساحة لهم في تعاليم ديننا الحنيف.
لافتاً إلى تأكيد الإسلام على الأخوة الإنسانية بوجه عام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)، «سورة الحجرات: الآية 13»، وأن الله عز وجل أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للناس كافة، رحمة للعالمين بنص القرآن: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

المجتمع الإنساني
ويوافقه الرأي الشيخ عادل أبو العباس من علماء الأزهر الشريف، الذي أكد على أن التسامح مبدأ إسلامي، وهو في هذه الآونة من أعلى الضروريات التي ينبغي على المجتمع الإنساني العمل على نشره وإعلاء قيمه.
وقال لـ «الاتحاد»: إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش في المدينة ووضع الأسس والقوانين التي تضمن الحياة الآمنة للمجتمع الجديد، ومنها وثيقة المدينة التي كتب فيها مجموعة من البنود والمواثيق تجعل التعامل مع غير المسلمين من خلال منظور إسلامي يضمن لهم حرية الاعتقاد وحرية ممارسة العبادات.
وأشار أبو العباس إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمح للمسلم أن يتعايش في مجتمع المدينة مع جميع أتباع الأديان السماوية، وهذا قمة التسامح، وبذلك أرسى الرسول مبدأ المواطنة الذي جعل التعايش والتسامح مبدأً بينهم.
ولفت الشيخ عادل إلى أنه إذا كان هناك فكر متطرف أو إرهابي، فهذا ينبغي أن يُحارب بالفكر، فإن استجاب الفكر السقيم للسليم فقد أدينا واجبنا نحوه، وإن أصر السقيم والمتطرف على المغالطة وفرض مفاهيمه، فهؤلاء ينبغي ردعهم.
وأوضح أن من حق الحاكم أن يسن من القوانين ما يردع أصحاب الفكر المتطرف، ويضرب بيد من حديد لأنه يحمي المجتمع منهم، ومن فكرهم المنحرف، حتى يسود الحب والتسامح والتعايش.