أحمد السعداوي (أبوظبي)

من ليوا ومنطقة الظفرة، مروراً ببعض الجزر وصولاً إلى العاصمة أبوظبي.. رحلة عاشها الوالد هلال بن عبدالله بن زعل الفلاحي، يسرد عنها عبر حديثه المفعم بالذكريات عن شهر رمضان في زمن الأولين عند سكان تلك المناطق، وكيف تغلبوا على صعوبة الحياة بالتكاتف والتراحم فيما بينهم والعيش بروح الأسرة الواحدة، إلى أن بدأت ملامح النهضة والتطور في الدولة لاحقاً، فترسخت هذه الروح والعلاقة القوية بين أبناء الإمارات، التي تتجلى في أبهى صورها خلال الشهر المبارك، وكل ما يرتبط به من طقوس وعادات إماراتية تناقلها الجميع عبر الزمن.
 
البر والحضر
يقول الفلاحي، إنه من حضر ليوا، حيث يختلط أهل البر مع الحضر في المنطقة الممتدة بين ليوا وطريف وبينونة وغيرها من الأماكن الواقعة في الظفرة من دولة الإمارات، مشيراً إلى أن رمضان بالنسبة لأهل تلك الأماكن ارتبط بالسير مع البوش في الصحراء باعتبارها أهم ما يعتمد عليه سكان تلك المناطق، وحين تعلو الشمس نذهب للتقييظ تحت النخل نتقي بها حرارة الجو في نهار رمضان، فيما يذهب البعض الآخر للصيد والبحث عن الرزق في البحر وجلب أنواع معينة من الأسماك يتم أكلها إما طازجة أو تمليح البعض منها وتخزينه لأكلها على مدار العام، حين يقل عائد الصيد من السمك.كما أشار إلى أن رمضان في زمن الأولين اتسم بسيادة روح التآلف والتراحم بين الجميع، والتواصل المباشر بينهم بعكس أحوال الزمن الحالي، وذلك رغم صعوبة ظروف العيش والحياة في تلك الأيام، حيث لم يكن الخير بمثل هذه الكثرة التي نراها الآن في الدولة، بفضل الله سبحانه وتعالى ثم القيادة الرشيدة، التي جعلت من الإمارات واحة للخير والحب والتقدم، ينظر إليها الجميع بعين الاحترام، ويتمنى أن يحذو حذوها ويحقق ما وصل إليه أهلها من نهضة كبيرة في مختلف المجالات خلال فترة زمنية وجيزة، وفي الوقت ذاته مازلنا متمسكين بفخر وفرح بما تركه لنا الأقدمون من عادات وتقاليد عريقة، ومنها إبراز مظاهر الكرم والاحتفاء بشكل كبير بشهر رمضان المبارك.

النخل والتمر
ولفت الفلاحي إلى أن أهل منطقة الظفرة أكثر ما اعتمدوا عليه، النخل والتمر ولبن البوش، ونحمد الله حمد الشاكرين، أنه وفر لنا هذه السبل في تلك الأيام، إلى جانب عدد من الجزر التي كان يقصدها العاملون بالمهن البحرية، ومن هذه الجزر غاغة، التي تبعد عن أبوظبي بأكثر من 300 كيلو متر وارتبط أهلها بشكل رئيس بالصيد والقوارب بأشكالها، وهو ما انعكس حتى على ألعاب الصغار ومنها،  لعبة الشواعي وصناعة الصغيرة كمجسمات من بقايا الأخشاب، وكذلك لعبة عظيّم لواح، حيث يرمي الأطفال قطعة خشب ويتسابقون للحصول عليها أو رمي حجر في البحر ثم الغوص لالتقاطه من الأعماق، وعبر هذه الألعاب تعلم الكثيرون من الصغار في زمن الأولين السباحة والغوص وأصبحوا محترفين في عديد من المهن البحرية في مراحلهم العمرية اللاحقة.

علاقات الجيرة
أما في عام 1964 فقد «ظهر» الفلاحي أي «انتقل» مع العائلة، إلى أبوظبي وتحديداً إلى شارع حمدان، حيث استقروا لسنوات طويلة، معاصراً مظاهر أكثر للحضارة والمدنية قياساً إلى الظفرة والجزر المنتشرة هناك، غير أن التمسك بالعادات والتقاليد هو الأصل، حيث كانت علاقات  الجيران جيدة إلى أقصى حد وكانوا يتبادلون الأطباق، ولا يكفون عن الزيارات المتبادلة طول الشهر الفضيل، فضلاً عن الإفطار الجماعي، وزيارات المجالس، ويقول: كان الجميع أسرة واحدة وليس منا من يده قصيرة، فهذا يشد ذاك، وآخر يقوم بتقديم المساعدة لمن يحتاج، كما أن القبائل تتجمع باستمرار ولم يكن بينها إلا الخير، الذي زاد لاحقاً بفضل جهود القيادة الحكيمة، حيث انتشرت الكهرباء والمباني الحديثة والطرق العصرية، وغيرها من أساليب الحياة الراقية التي جعلتنا نعيش في نعيم حتى يومنا.