إبراهيم الملا

لا يمكن لنا أن نستعيد ذكرى الشاعر الإماراتي الكبير محمد الكوس «1925 - 2013»، إلاّ وتكون هذه الذكرى مقرونة بالتأمّل العميق، والربط الوثيق مع حراك اجتماعي حافل ومحتدم عاشَه وخَبِره أحد الأعمدة الأساسية التي ارتكز عليها التراث الشعري النبطي في الإمارات، كان اسم «الكوس» لامعاً وساطعاً ومدويّاً في ذروة التحولات الاجتماعية التي شهدها المكان بعد قيام دولة الاتحاد، والتي كان لا بد من رصدها وتوثيقها ومجاراتها فكرياً وثقافياً وشعرياً، ما جعل من محمد الكوس علامة راكزة وسط هذا الحراك، وأحد أبرز شعراء النبط الذين اشتبكوا برياح التغيير هذه، فصار عارفاً بتفاصيلها، وملمّاً بمكنوناتها، وواعياً لتأثيراتها، السلبية منها والإيجابية، لذلك لم يكن غريباً أن تتناول أغراضه الشعرية نبض هذه التحولات وامتدادها ودورها في نشوء العديد من الظواهر الاجتماعية التي أحدثت نقلة نوعية بين زمنين فاصلين، يميل أحدهما للماضي بكل مكابداته وجمالياته، وينحاز الآخر للحداثة بكل مفاهيمها المعاصرة وبكل إشكالاتها الغامضة أيضاً.

في ظل هذا الصراع الذاتي والجمعي بين الحنين لأيام لا يمكن استردادها، وبين التعاطي مع أدوات الحاضر بعد تعقيداتها، ظل الشعر النبطي في الإمارات حائراً في منتصف المسافة الجامعة بين الضدّين، ومن هنا تأتي أهمية وجود شاعر بقيمة وقامة محمد الكوس كي يؤسس للتوازن المطلوب بين المفاهيم المتنافرة والأفكار المتعارضة، مستفيداً من وعيه وخبرته وشفافيته الإبداعية لتشكيل منصّات شعرية، ومدّ جسور تعبيرية تصل بين مفردات الماضي وملامحه، وبين لوازم الحاضر واشتراطاته، لذلك نرى في قصائده هذا الامتزاج البصري، وهذا الذوبان المشهدي بين الفضاءات والمناخات السحرية لذكريات الطفولة وشغف الشباب وفورته، وبين معالم الراهن أو الآني بمظاهره المستجدّة وأدواته المهيمنة، خصوصاً في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مع ولادة الانعطافة الكبرى للنهضة العمرانية والاقتصادية والاجتماعية التي كان الكوس شاهداً عليها وموثقاً لها من خلال قصائده اللافتة، التي ما زالت أصداؤها وظلالها وانعكاساتها حاضرة بيننا إلى اليوم.

إمارة أم القيوين
ولد شاعرنا محمد بن علي بن إبراهيم الكوس في إمارة أم القيوين عام 1925م وفي منطقة «اللزيمة» تحديداً والتي استقر بها أفراد قبيلة «البومهير» القادمون من مناطق الدولة المختلفة أواخر القرن التاسع عشر، وعاشوا بها حتى الخمسينيات من القرن الماضي، حيث انتقلوا بعد ذلك إلى مختلف الإمارات، وخَبِر شاعرنا اليتم مبكراً، حيث توفى والده في البحر خلال ممارسته لمهنة الغوص، وكانت أمه وقتها حاملاً به.
ولا شك أن هذا الفقد المبكّر للأب، وغياب حضوره ورعايته واحتضانه له، خلق في دواخل شخصية شاعرنا تلك النزعة الذاتية المتحفّزة لتحدي الألم وقهر الصعوبات منذ بدايات تكوّن وعيه وانفتاحه على الحياة، وهو الأمر الذي ظهرت تجليّاته لاحقاً في خوض شاعرنا لمغامرة البحث عن الكينونة الفردية من خلال التعلّم والتأمّل والسفر والترحال وممارسة مهنة الغوص أيضاً كنوع من كسر حاجز الخوف إزاء هذا الأزرق المهيب الذي اختطف والده وحرمه من حنانه وعطفه، إنها القوة الداخلية التي صاغت شخصية الكوس لاحقاً ونحتت في أعماقه موهبة التعبير الجوّاني المتلاطم على ضفاف كثيرة، والملامس لأغراض متنوعة، خدمت خطه الشعري، وكشفت عن رهافة حسّه ودقّة وصفه وغلبة الشجن وحسّ الوداعات على معظم قصائده.
يقول الكوس في إحدى قصائده المتصلة بهذا الشجن العميق:
يوم الدجا نجومه طوالع مناكيس
وهب الهوى من مطلع التيرلافي
بت بسهر والا الدلاها مناعيس
وانشيت مكنون الشعر م الخوافي
يا طي قلبي يصطدم بالهواجيس
أكظم وعوقي باطن الجوف خافي
إلى أن يقول:
لوّل أنا فاهم واعرف التدرّيس
واقرا الهيو وافهم حروف القوافي
واليوم من جملة ربوعٍ مفاليس
وان سلت عن حالي فلا الربع صافي
ما فادني كتب المحو والطلاميس
وحرّات قلبي ما انطفت بالمطافي
إنه الالتياع المزدحم في نفس الشاعر، والذي لم يجد له منفذاً ومجالاً للتخلّص من وطأة حضوره وقسوة مثوله في الذات الغارقة بانكساراتها، إنه: «العوق» أو المرض الوجداني الذي يحتلّ جوف الشاعر، والذي أفضى به إلى استنفاد كل الوسائل والحِيَل من كتب المحو والطلاسم، لكنها هي الأخرى أيضاً، لم تسعفه في إطفاء جذوة الشوق اللاهب وإخماد حرائقه في القلب.

الكتاتيب
اكتسب محمد الكوس في طفولته بأم القيوين مبادئ وعلوم القراءة والكتابة والدين والنحو والحساب من خلال ما كان يعرف بالكتاتيب، وعندما شبّ وكبر عمل لفترة من حياته في مهنة الغوص، قبل أن يتركها بسبب أزمة الكساد العالمي وانهيار تجارة اللؤلؤ وتوقّف السفن والمراكب عن الإبحار والسفر إلى الغوص وذلك في منتصف الأربعينيات الماضية.
وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي شهدتها البلاد أثناء الحرب العالمية الثانية، اضطر الكوس للسفر والعمل في دول الخليج المجاورة، مثله مثل العديد من أبناء الإمارات الذين سافروا لتحسين أوضاعهم المعيشية، رحل الكوس أولاً إلى البحرين، ثم إلى الكويت، واستقر به الحال بعد ذلك في منطقة الدمام بالسعودية، حيث عمل كاتباً للرسائل والمعاريض وتعرف هناك على الشاعر الإماراتي الكبير سالم الجمري الذي عمل في الدمام بذات المهنة بسبب إلمامهما بالكتابة والخط، الأمر الذي جنبهما العمل في مهن يدوية شاقة ومتعبة مثل الآخرين القادمين بحثاً عن أبواب رزق جديدة لتخطّي ظروفهم القاهرة.
تعرف الكوس في الدمام على شعراء آخرين من الإمارات أمثال: المرحوم سعيد بن هلال الظاهري، وحميد بن راشد الشامسي من العين وأبناء الدرمكي والحديدي وغيرهم، وبعد عودته إلى موطنه انضم الكوس إلى التعليم شبه النظامي عام 1956 فيها، وكانت تدرّس فيه مناهج الدين والحساب واللغة العربية، وانضم هناك مع شيوخ العلم أمثال المرحوم الشيخ عبد الرحمن بن عتيق، وعبد الله القيواني، وبدأوا يدرسون الأولاد بتلك المناهج البسيطة من قرآن وحساب ولغة عربية وأطلقوا على تلك المدرسة اسم «مدرسة الأمير»، ثم ما لبثت حكومة الكويت أن أنشأت مدرسة جديدة أسمتها مدرسة الأمير أيضاً، وكانت بديلاً عن المدرسة شبه النظامية واندمجت المدرستان لتصبحا مدرسة الأمير في عام 1958م، وفي العام نفسه انتقل شاعرنا محمد الكوس إلى عجمان ليعمل في المدرسة التي بنتها حكومة الكويت أيضاً وهي مدرسة الراشدية نسبة إلى المرحوم الشيخ راشد بن حميد النعيمي.
وعمل الكوس معلماً فيها وبناء على ذلك يعد الشاعر محمد بن علي الكوس من أوائل المعلمين المواطنين الذين عملوا في بدايات التعليم النظامي في الإمارات.
ولم يطل عمله في مدرسة «الراشدية» بعجمان في مهنة التدريس أكثر من عام دراسي واحد، لينتقل بعد ذلك مع أسرته بالكامل ليستقر نهائياً في الشارقة، وذلك في العام 1959م حيث تم تعيينه موظفاً وكاتباً في جمارك الشارقة مع المرحوم الشاعر علي بن رحمه الشامسي، وذلك بسبب احتياج الجمارك إلى موظفين لديهم إلمام بالقراءة والكتابة. واستمر في عمله بالجمارك وخدمة وطنه حتى تقاعد عن العمل في عام 1996م.
ونذكر من شعراء الجيل الذهبي ومن روّاد الحركة الشعرية النبطية في الإمارات الذين عاصرهم الكوس، كلاً من: الجمري وبن سوقات والخضر وأحمد الهاملي وراشد بن طناف وراشد بن مكتوم، وربيّع بن ياقوت، وغيرهم الكثيرين.

وعي متقّد.. أسلوب متفرّد
أسهمت العديد من العوامل الذاتية والتعليمية والثقافية التي أحاطت بالشاعر محمد بن علي بن إبراهيم الكوس في طفولته وشبابه بتكوين وتأسيس مزاجه الشعري المنتمي لوعي متقّد وأسلوب متفرّد في إنتاج قصائد «المقالات» والردح والونّة المفعمة بأصالتها وبجماليات اللهجة المحلية ذات الأبعاد المنتمية لأبعاد بصرية وحسّية موغلة في فردوس الماضي وفي أرض الأسلاف، ومكتنزة بمفردات البادية والساحل عند استحضارها من جوف الذكريات البعيدة، وبتلك الأبعاد المشهدية المنتمية للمدن الحديثة أيضاً، والتي كان لها شروطها وإملاءاتها كذلك على طبيعة ونوعية القصائد التي كتبها الكوس تماشياً مع المرحلة الجديدة من عمر الدولة الناشئة والمقبلة على فورة مستقبلية كانت تعد بالكثير من التغيرات والمفاجآت، فبعد شعر الغزل الذي أبدع فيه الكوس، كانت القصائد الاجتماعية هي الأكثر حضوراً في نتاجه الإبداعي من خلال شعر المحاورة والمجاراة والمشاكاة التي جمعته من شعراء جيله المميزين في تلك الفترة.

شعراء القبائل
كان تأثير شاعر أم القيوين الكبير يعقوب الحاتمي كبيراً وواضحاً على النسق الذي اتبعه الكوس في كتابة قصائده، حيث يُعرف عن أسلوب الحاتمي صعوبة قوافيه مثل قوافي الظاء، والضاد، والذال والشين والسين والخاء، وهذا هو الأسلوب نفسه الذي انتهجه الكوس في تأليف قصائده مع إضفاء لمسته الخاصّة والمستقّلة اعتماداً على المواقف والظروف التي دفعته لكتابة تلك القصائد، والتي أغرت الكثير من المطربين الشعبيين في الإمارات أمثال: علي بن روغه، وميحد حمد، وخالد محمد وغيرهم، للاستعانة بها أثناء ازدهار الأغنية المحلية ورواجها من خلال أشرطة الكاسيت، وأثناء رواج الشعر النبطي نفسه، واتساع رقعة حضوره بين المستمعين والمشاهدين لبرامج الإذاعة والتلفزيون، وخصوصاً برنامج «مجلس شعراء القبائل» الذي افتتح في أبوظبي ودبي في عام 1974، وكان لهذا المجلس دور كبير وملموس في الحفاظ على ألق وتوهّج واستمرارية الشعر النبطي في الإمارات وتطوره.
ومن القصائد الشهيرة للكوس التي أداها المطرب ميحد حمد، تلك التي يقول فيها:
كم شكيت من الدهر وفراق خلّي
ومرضي يزداد علّه فوق علّه
أبعدوا به وتركوني وين أولّي
حالتي يا ناس عقبه في مذلّه
أسال اليوم الدياجي: وين خلّي
والقمر اللي سايرن في الليل كلّه
قلْ حشا ما يفيدني كثْر التِسلّي
كل يوم يزيد شوقي والتُوَلّه
ذرّ وداده في حشايي نازلِ اللّي
مطّ قلبي ما رحمني يوم شَلّه.