خولة علي (دبي)

في السوق الشعبي الجديد في منطقة نايف بدبي، يمارس الوالد إبراهيم آل رحمة حرفته في إعادة إحياء الذاكرة البصرية المتمثلة في إيقاع نمط العمارة التقليدية وطبيعة الأحياء الشعبية القديمة، من خلال صناعة مقتنيات حرفية تجسد وتصور ملامح البيئة المحلية بمكوناتها ومحتوياتها، ويعيد بثها من جديد معرّفاً الأجيال الحالية بالجهود العظيمة التي بذلها الآباء والأجداد قديماً في استغلال مصادر البيئة المحلية البسيطة وتطويعها، لتلبية احتياجاتهم المعيشية في تلك الحقبة الزمنية، مقدماً نماذج من العمارة التقليدية القديمة، بمختلف بيئاتها المحلية، وبذلك يتحول دكان الوالد إبراهيم إلى متحف ثري يروي تفاصيل الأحياء الشعبية البسيطة والغنية بقيمها الاجتماعية ومظاهرها الثقافية.

يجلس الوالد إبراهيم آل رحمة الذي ناهز الثمانين من عمره، في دكانه البسيط، فلا تبرح يداه آلة الحفر والمطرقة، لرسم وتشكيل ملامح الماضي وحنينه إليه، وعلى الرغم من صعوبة الحياة القديمة وقسوتها، إلا أنها تعود ذاكرة حية ومتجددة في أعماله، منطلقاً من حسه الفني، وحرفيته العالية في جلب مكونات الماضي بأدق تفاصيلها، ليزيح الغبار عن إرث وطني وماضٍ انحسر في وجه التمدن، وظل رهن المتاحف والمناطق التراثية، ولكن طموح الوالد إبراهيم وعشقه للتراث، جعلاه يسخّر قدراته الفنية في تجديد البيئة التراثية، متخذاً خط العمارة منهجه في تعزيز قيمة التراث المحلية والتعريف به بين الأجيال.

  • إبراهيم آل رحمة.. «الأيدي الماهرة» تحتفي بالذاكرة

أدوات الماضي
ويقول الوالد إبراهيم آل رحمة، إن هذا تراث ثقافي يمكن أن يرثه الأبناء اليوم عن آبائهم وأجدادهم، باختلاف أشكاله وأنواعه، بما يصب في تكوين الخلفية التاريخية للفرد. فهو الأساس الذي يبني عليه حاضره ومستقبله، فمحاولة استعادة أدوات الماضي بمكوناته وعناصره كافة ليست سوى محاولة تثبيت دعائم الماضي على شكل مادة محسوسة وملموسة، تختزل في طياتها مزيداً من المعرفة من السهل فهمها واستيعابها لتبقى عالقة في ذاكرة الأجيال.
وينطلق في حديثه قائلاً: «أقبلت على ممارسة هذه الحرفة، إثر تقاعدي بعد رحلة عمل طويلة، وحافلة بالإنجازات في الحياة العملية، وتوقفت بعد أن شارفت السبعين من عمري، ثم شرعت بالبحث في سجل أربعينيات القرن الماضي الذي عشت تفاصيله، في ذاكرة دبي القديمة، وعلى ضفاف الخور، كنا نستنشق هواءها العليل، ورحلتنا التي لا تنتهي بين ضفتي الخور، ونسيج من بيوت العريش المتراصة بحب أهلها وتكاتفهم، والعمل المتواصل الذي اعتاد الأهالي القيام به مع أذان الفجر، حتى المغيب، لتغلق المدينة أبوابها الخمسة حماية وصوناً لها ضد الغرباء، فتقفل معها الأسواق والدكاكين لتهدأ المدينة ويعم الهدوء والسكينة أرجاءها، فلا تشاهد إلا الحرس وهم يحملون الفنر بين أيديهم ويتجولون في الطرقات والسكيك يتفقدون الدكاكين ومدى إحكام أصحابها إغلاقها».

  • إبراهيم آل رحمة.. «الأيدي الماهرة» تحتفي بالذاكرة

خامات محلية
وأضاف: «وهكذا وجدت في طيات الماضي وسحره ملاذي في محاكاة مفرداته من البيوت التقليدية بأنواعها والخيام والأعرشة والبيوت الجصية ومحتوياتها من قطع الأثاث ونحوها، فكانت خاماتي هي الجريد والأخشاب ثم أدخلت البامبو، إلا أنني أحرص أساساً على استخدام خامات البيئة المحلية؛ لأنها تعطي واقعية ورونقاً للعمل، على الرغم من المجهود الذي يتطلب عملية إعداد خامة الجريد وتهيئتها، وتحديد المقاسات المطلوبة، إلا أن العمل به متعة. وهي خامة أيضاً متوافرة وبكثرة. بعكس الخامات الأخرى كالخشب والبامبو التي أجلبها من الخارج. كما سعيت أيضاً إلى إبراز تفاصيل القطع بدقة كالأبواب والنوافذ التي تتطلب الجهد ودقة العمل من خلال الحفر عليها وزخرفتها بالنقوش المحلية لتكتمل لديّ القطعة الفنية. كما حرصت على إعطاء النموذج رونقاً جذاباً من خلال إنارته، وذلك بمده بالكهرباء، مع الحفاظ على نوعية الإضاءة التقليدية التي كانت تستخدم قديماً».

مدرسة الحميدية
كان الأمر أشبه برحلة إلى الماضي، أخذنا إليها الوالد إبراهيم آل رحمة، بكل غزارة في السرد، وهو يروي أدق المواقف واللحظات التي يعتز بها، وهو يشكل أجزاء من العمل الحرفي بين يديه، منطلقاً في سرد جانب من رحلته الدراسية التي تعلم منها أيضاً الإصرار والتحدي، قائلاً: «لقد ألقيت قصيدة وأنا طالب في مدرسة الحميدية سنة 1952 وكان مديرها الأستاذ علي عامر الحمداني، عراقي الأصل، حيث نظمنا حفل استقبال بعد عودة أحد الشخصيات المهمة من الحج، فأعطاني الأستاذ وقتها قصيدة كي أحفظها، وألقيت قصيدتين واحدة لأبي فراس الحمداني يقول فيها (إنّا إذا اشتدّ الزمان.. وناب خطب وادلهمْ/‏‏‏‏‏‏‏ ألفيت حول بيوتنا.. عدد الشجاعة، والكرم/‏‏‏‏‏‏‏ للقا العدى بيض السيــو.. فِ وللندى حُمْر النعَم.. إلى آخره من الأبيات).

  • إبراهيم آل رحمة.. «الأيدي الماهرة» تحتفي بالذاكرة

والقصيدة الأخرى، ألقيتها عند افتتاح أول مدرسة، وهي المدرسة الحميدية، وبعدها فتحت المدرسة الأحمدية، وهي للشاعر جميل صدقي الزهاوي، ويقول فيها: (ألا إن ليل الجهل أسود دامس.. وإن نهار العلم أبيض شامس/‏‏‏‏‏‏‏ تشقُّ حياة ما لها من مدرب.. وتشقى بلاد ليس فيها مدارس/‏‏‏‏‏‏‏ ومن لم يحط علماً بأمر محيطه... عداه الهدى أو أقلقته الهواجس). وأذكر وقتها أنني كنت أبلغ من العمر 18 سنة، وفي السنة ذاتها ذهبت إلى البحرين لاستكمال تعليمي الثانوي، وما أن أنهيته حتى التحقت بالعمل في بريد البحرين لفترة، ثم عدت إلى دبي والتحقت ببعثة طبية كويتية لمدة سنتين لأكون مساعد صيدلي، ثم التحقت بالعمل في عدد من المستشفيات في دبي والعين، ولرغبتي في البحث عن فرص أفضل وزيادة خبرتي العملية وبحكم دراستي في الكيمياء التحقت بالعمل في مصفاة أم النار لحظة تأسيسها ومن ثم مصفاة الرويس».

نموذج لقطعة فنية
كان يمضي الوالد إبراهيم آل رحمة مسترسلاً في سرد منجزاته العملية بتفاصيلها الدقيقة، وجهده المتواصل في العمل، وهو يستكمل لنا نموذجاً لقطعة فنية بين يديه بدأت تتشكل ملامحها الهندسية في البناء المعماري التقليدي، هي رحلة قصيرة مكـثـتها معه، إلا أنها تحمل ذكرى حافلة بوقفات مهمة في حياة الوالد إبراهيم وتاريخه، حيث لم يكف أيضاً عن المشاركة في أنشطة الكثير من المدارس في المناسبات المختلفة، رغبة منه في غرس التراث في نفوس الأجيال الجديدة عبر حرفة مسلية وشائقة قد يبدع فيها الطلبة، ويتعلمون منها مهارة التشكيل والبناء والتصميم، لينطلقوا في ابتكار نماذج فنية جميلة.