مشاعل.. في تاريخ الفكر الإسلامي
«نحتاج إلى لحظة تأمل في تراثنا الحضاري الإسلامي.. لحظة ندرك من خلالها هذه اللمحات المضيئة التي ساهم بها العديد من المفكرين العرب والمسلمين من خلال علمهم وأفكارهم، لا لكي نرتكن إليها، ولكن من أجل الاسترشاد بها في الاستعداد للمستقبل والتميز في الحاضر، والانطلاق من المفيد منها أولاً، ونتائج منجزات العصر ثانياً».
يأتي المسعودي، أبو الحسين علي بن الحسين (287 - 346 ه)، ضمن أهم أعلام الفكر الإسلامي، من منظور «الكتابة التاريخية»، ورغم أن المسعودي كان مؤرخاً، وليس مفكراً اجتماعياً، إلا أن أهميته،، تتبدى إذا لاحظنا أن مقاربة الفكر التاريخي، من وجهة الفكر الاجتماعي، أفضل طريقة في الوقت «الحاضر» لتجديد تفسير الكتابة التاريخية، فيما مضى من عصور، خاصة إذا كانت هذه «الكتابة» موضوعية وموسوعية في الوقت نفسه.
يكفي أن نشير هنا إلى ما يقوله كراتشوفسكي  أحد مؤسسي مدرسة الاستشراق الروسي عن موضوعية المسعودي، وموسوعيته، يقول: «من المستحيل إنكار ما يمتاز به المسعودي من تنوع النشاط العلمي، وما يتصف به من موضوعية، في الحكم على ما يتعلق بالشعوب والأديان، فهو يسأل باهتمام ممثلي العقائد، ويفحص بانتباه فائق كتبهم، ويتعرف جيداً على آدابهم.. وإن تعدد نواحي اهتمامه لمدهش حقاً».
ولئن كان ابن خلدون قد وجه إليه الكثير من الانتقادات، في ما وجه من نقد تحليلي إلى من سبقه من المؤرخين في «المقدمة»، إلا أن صاحب هذه المقدمة، نفسه، لم يفته أن يلقب المسعودي بـ«إمام المؤرخين»، وهو ما ذهب إليه فون كريمر لاحقاً، حين لقب المسعودي بـ «هيرودتس العرب»، حتى وإن كان هذا الأخير، أبو التاريخ الإغريقي، «أكثر فناً وأفصح منهجية».

مكانة
ولعلَّ الأهم، هنا، هو الاعتراف بمكانة المسعودي، من خلال كتابه «مروج الذهب»، حتى وإن كان قد وضع الكثير من الكتب غيره، إذ، يرى الكثير من الباحثين أن «مروج الذهب» الأساس في كتابات المسعودي، بل في التطور الذي أصاب، على يديه، فن كتابة التاريخ.
وكشفت كتابات المسعودي، ربما على نحو غير مقصود، عن جوانب مهمة من شخصيته، فقد خلف كتابه «مروج الذهب» انطباعاً محدداً عن مؤلفه، بأنه قد ارتحل طويلاً، وأوصلته رحلاته إلى معظم أرجاء بلاد فارس، وأرمينيا، وأذربيجان، وأرجاء أخرى من بحر قزوين، وكذلك شبه جزيرة العرب وسوريا ومصر، كما سافر، أيضاً، إلى وادي السند وأجزاء من الهند.
والواقع، أن هذا الكتاب يُعتبر في مجاله من أبرز المصنفات العربية على الإطلاق، حيث يُقسم المسعودي الكتاب إلى قسم تاريخي وآخر جغرافي.
أما الجزء التاريخي، فينقسم إلى قسمين: الأول، بدء الخلق، وقصص الأنبياء، وتاريخ العصور القديمة من اليونان والفرس والرومان والعرب القدامى، ودياناتهم وعاداتهم، والبعثة النبوية، والعصور الإسلامية منذ عصر الرسول «عليه الصلاة والسلام»، إلى خلافة عثمان ابن عفان.. أما القسم الثاني، فيتضمن خلافة علي ابن أبي طالب، والخلافة الأموية، والخلافة العباسية، وصولاً إلى عهد الخليفة المُطيع لله العباسي.

علاقة التاريخ بالجغرافيا
أما الجزء الثاني من الكتاب، الجزء الجغرافي، فيتضمن العديد من المعلومات الجغرافية، حيث يتحدث المسعودي عن استدارة الأرض، والغلاف الجوي الذي يُحيط بها، وكروية البحار، والعواصف التي تؤثر في الخليج العربي ما حوله من المناطق، ووصف الأنهار والجبال ومساحة الأرض، كما وضح، أيضاً، ظاهرة المد والجزر، وتأثير القمر بذلك.
ورغم مما يبدو من إشكاليات حول كتابة المسعودي، من قبيل إشكالية علاقة التاريخ بالجغرافيا، أو إشكالية الفوارق والعلاقة بين القسم المتعلق بتاريخ ما قبل الإسلام والقسم الذي يختص بتاريخ المرحلة الإسلامية، أو إشكالية ما أُشيع حول «شيعية» المسعودي وتأثيرها على نظرته إلى التاريخ.. رغم ذلك، تظل «كتابة» المسعودي تتسم بالموضوعية والموسوعية في الوقت نفسه.
ولعلَّ هذه الموضوعية، للمسعودي، تتبدى بوضوح من خلال كتابه الموسوعي: «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، إذ نلاحظ أنه تجاوز في كتابته التاريخية، «النظرة الدينية الضيقة» التي لا ترى في التاريخ سوى أحداث لا يملك الإنسان إزائها شيئاً، و- تجاوز، أيضاً - «النظرة القومية المذهبية»، التي ترد كل الأحداث التاريخية إلى انقسام النوع البشري إلى أمم متباينة متنازعة.
والشيء الأساس الذي لا بد من إعطائه حقه من الاعتبار، هو أن المسعودي لم يستعمل كلمة أمة بالمعنى «الديني»، بل اعتبر أن المسلمون هم «أهل الملة»، وهم ليسوا وحدهم أصحاب ملة.. فالملة والدين لفظتان مترادفتان على وجه العموم تحت قلم المسعودي، أما الأمة، فإنه يستعملها بالمعنى الاجتماعي التاريخي.
شيء آخر، لا بد من إعطائه حقه من الاعتبار، أيضاً، وهو: أن المسعودي تجاوز النظرية السائدة حتى عصره، والتي نجد لها أصداء واضحة عند الجاحظ «البيان والتبيين»، والتوحيدي «الإمتاع والمؤانسة»، والقائلة بأن الأمم الكبرى في التاريخ البشري هي أربع: الفرس والروم والهند والعرب.

ملاحظات متعددة
إذ، يقسم المسعودي الأمم الكبرى، في سالف الزمان، إلى سبعة، وهي بحسب عباراته.. أولاً: «الفرس»، ثانياً: «الكلدانيون وهم السريانيون»، ثالثاً: «اليونانيون والروم والصقالبة والإفرنجة، ومن اتصل بهم من الأمم في الجربي وهو الشمال»، رابعاً: «لوبية، ومنها مصر، وما اتصل بذلك من اليمن، وهي الجنوب وأرض المغرب إلى بحر أوقيانوس المحيط»، خامساً: «أجناس من الترك»، سادساً: «أجناس الهند والسند وما اتصل بذلك»، سابعاً: «الصين والسنيلي، وما اتصل بذلك من مساكن ولد عامور».
ورغم الملاحظات المتعددة التي يمكن إثارتها، بناء علي هذا التصور للأمم السبع الكبرى في سالف الزمان (منها كمثال أن المسعودي لم يذكر «العرب» بين هذه الأمم «الكبرى»، وهذا غريب).. إلا أن الأهم، هنا، هو «المعيار» الذي اعتمده. فهو كان قد حصر معيار وحدة الأمة، وتشكيلها كأمة: في اللسان وفي الوحدة السياسية.
ففي ذكره لكل واحدة من الأمم السبع، تلك، يكرر أن لسان أهلها واحد وملكها واحد. وكأنه بهذا التأكيد يحدد مفهوم الأمة ب: «اللسان الواحد والدولة الواحدة»، وهو ما يشير إلى أن اللسان، أو: اللغة، من أهم مقومات الأمة في نظر المسعودي.
بيد أن ما ينبغي التأكيد عليه، هنا، هو التشابه العميق بين نظرة المسعودي وفكر معاصره: الفارابي. فالمسعودي، كالفارابي، يميز تمييزاً قاطعاً بين الأمة والملة، ويجعل، مثله، اللسان في الصدارة من مجموعة مقومات الأمة.

اختلاف
لكن نظرة الفارابي هي أدق وأكثر تركيزاً على «الطبيعة الاجتماعية» لكيان الأمة، بينما تأتي نظرة المسعودي أدق وأكثر تركيزاً على «الناحية التاريخية». ولعل هذا يعود، في ما يعود إليه، إلى الاختلاف بين وجهة الفارابي «الفلسفية»، وبين وجهة المسعودي «التاريخية»، ناهيك عن سبق المسعودي وطريقته في الربط بين الجغرافيا والتاريخ، في ما يتعلق بكيفية تكوين الأمم ونشأتها، كما يشير إلى ذلك كراتشوفسكي.
بل يمكن القول، دون مبالغة، أن الخطوة التي خطاها المسعودي في اتجاه تفسير التاريخ، عبر انفتاحه على الواقع التاريخي في نفسه، وعلى الكيانات السياسية والاجتماعية التي نشأت فيه، تشكل تقدماً عظيماً في تطور الفكر التاريخي الاجتماعي.