هناء الحمادي (رأس الخيمة)

«في رمضان يحلو السهر ويطيب السمر، نسترجع الذكريات ونستعيد السوالف والحكايات، نستمع إلى الأجداد والجدات، وهم ينعون الحاضر ويترحمون على الماضي، تتحول كل مفردة إلى فلكلور أصيل وعريق، وكل كلمة إلى نجمة تزدهي بالبريق، عادات وتقاليد رمضانية اندثر الكثير منها، ولم يبق سوى القليل الذي يذكرنا بها».. هذا ما يخالج شعور ابن منطقة أعسمة إحدى المناطق الجبلية الزراعية التابعة لإمارة رأس الخيمة، «الثمانيني» سيف المزروعي الذي يعيش حياته اليوم بعد التقاعد بين بيته ومزرعته التي تزدان بالكثير من الفواكه والخضراوات وأشجار النخيل.
عمل سيف المزروعي بالكثير من الأعمال سابقاً، منها في وزارة التربية والتعليم، وبعد تقاعده جدد حياته ببداية جديدة بالعمل في مزرعته ومتابعة شؤون البيت، ولرمضان عنده مذاق خاص ورونق مختلف، حيث كانت الجلسات العائلية والسهرات الرمضانية على قائمة الخصوصية الإماراتية للشهر، ومن التجمعات العائلية والشبابية إلى ممارسة الأطفال الألعاب الشعبية قبيل الإفطار في الفريج.. قائلاً «هناك قائمة طويلة من الموروثات التي لا تزال تفاصيلها تعلق في ذاكرة الكثيرين حول أجواء الشهر الفضيل ولذته التقليدية التي باتت تبهت شيئاً فشيئاً مع التقدم الذي تشهده المجتمعات العربية على مختلف الصعد، والتي تتوسع على حساب الموروثات الثقافية والاجتماعية».
وفي رأي المزروعي: يسهل حاليا صيام شهر رمضان في الصيف والشتاء، حيث المكيفات في البيوت وجهات العمل، إلا أن رمضان في الماضي عندنا كان يأتي في «القيظ» كنا نعاني الحرارة الشديدة فلم تكن المكيفات منتشرة في البيوت، ولم تكن الكهرباء وصلت كل مكان، ورغم ذلك فإن الصيام له بهجة مختلفة، تغيرت هذا الأيام، خاصة تلك الفترة وانتشار وباء كورونا الذي حيّر العالم.

«مير رمضان»
ويكمل حديثه: «كنا نسافر من رأس الخيمة إلى دبي لشراء احتياجات البيت من القهوة والسكر والأرز «مير رمضان»، ولعدم توفر السيارات آنذاك. كانت الجمال الوسيلة الوحيدة للسفر، حيث نصل بعد 6 أيام للسوق في دبي الذي يعج بالكثير من الحاجيات المنزلية، لنعود أدراجنا محملين بكل خير للأهل والجيران، مشيراً إلى أن رجال الفريج كانت طقوسهم بعد انتهاء العمل تركز على الصلاة وقراءة القرآن الكريم، فمن بعد صلاة الفجر يخرج الرجال إلى قضاء احتياجاتهم، ويبقون فيها إلى «الضحى العود»، وهو ما يوازي الساعة العاشرة أو الحادية عشرة صباحاً، ثم يعودون إلى البيوت، ليصلوا الظهر، ثم يجلسون فوق «السبلة أو المنامة» (تسميات تراثية لمصطبات سعفية ترتفع عن سطح الأرض وتفرش بالحصر لتكون مكان جلوس أو نوم)، وهناك يجلس الرجال قليلاً ثم ينامون، إلى أن يحين وقت صلاة العصر يستيقظ الرجال ليذهبوا إلى المزارع أو محلات المواد الغذائية أو خرف الرطب من على النخل، وغيرهم يحضرون حبات البطيخ التي تركوها في أحواض الماء طوال النهار لتبرد.

مهام نسائية
ويتابع: «النساء كان تركيزهن على تجهيز الأكلات، خاصة السمك، الوجبة الرئيسة المتوافرة لإفطار الصائمين، والجارات يتشاركن في إعداد الأطباق الشعبية المعروفة مثل الساقو، والبلاليط، والعصيدة واللقيمات، بينما السحور، فكان يقتصر على ما تبقى من الفطور من العيش والروب والجامي.
ويضيف «تشتهر منطقة أعسمة بالكثير من المزارع التي كانت تسقى من خلال الأفلاج فيما كانت ثمار الهامبا والموز البلدي الذي قل ما نجده حالياً والترنج، وهو يشبه البرتقال في الحجم ولكنه ذو طعم حامض والشخاخ، وهو أحد الحمضيات التي تزرع في المنطقة، حيث تغطى المزارع بتلك الثمار اليانعة بجانب أشجار النخيل، مشيراً إلى أن أشجار الهامبا المعمرة تكثر في منطقة أعسمة ومسافي، وهي من أجود الأنواع في المنطقة والتي تمتاز بطعمها الجيد.
واختتم حديثه قائلاً : رغم بساطة الحياة في ذلك الوقت إلا أننا نسعد حين نسترجعها في أذهاننا اليوم ونحكيها للأحفاد لتظل عالقة في أذهانهم عن حياة آبائهم وأجدادهم، متمنين في الوقت الحالي أن نتعافى من فيروس كورونا الذي أفقدنا حلاوة شهر رمضان، خاصة صلاة التراويح وحفاوة استقبال أفراد المجتمع بالتهنئة بالشهر الفضيل في إطار من الحب والتواصل والتراحم، التزاماً بالإجراءات الاحترازية لمنع تفشي الفيروس.