مشاعل.. في تاريخ الفكر الإسلامي
«نحتاج إلى لحظة تأمل في تراثنا الحضاري الإسلامي.. لحظة ندرك من خلالها هذه اللمحات المضيئة التي ساهم بها العديد من المفكرين العرب والمسلمين من خلال علمهم وأفكارهم، لا لكي نرتكن إليها، ولكن من أجل الاسترشاد بها في الاستعداد للمستقبل والتميز في الحاضر، والانطلاق من المفيد منها أولاً، ونتائج منجزات العصر ثانياً».
الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن أحمد الشهرستاني، نسبة إلى بلدة شهرستان (479 - 548 هـ/‏ 1086 - 1153م).. له ما يصل إلى عشرين كتاباً، منها المطبوع مثل: الملل والنحل، ومصارعة الفلاسفة، ونهاية الإقدام في علم الكلام، ومنها المخطوط، مثل: رسالة في اعتراضات الشهرستاني على كلام ابن سينا، والمناهج في علم الكلام.
ويكاد يتفق الباحثون في الفكر العربي الإسلامي، على أن كتاب «الملل والنحل»، الذي وضعه الشهرستاني، يمتاز عن غيره من الكتب - التي تعالج الموضوع نفسه - بكونه تأريخاً موضوعياً شاملاً للمذاهب الفكرية، الدينية والفلسفية التي ظهرت قبل الإسلام وفي الدول الإسلامية المختلفة، بل إن الكتاب بقدر ما أثار اهتمام العرب، بقدر ما نال اهتماماً عالمياً بدأ بترجمة نص الكتاب إلى الإنجليزية (1842 - 1846 م)، تلاه نقل الكتاب إلى الألمانية، ومن بعدها إلى التركية والروسية. 
وفي ما يبدو، فقد كان الشهرستاني مدركاً تمام الإدراك لضرورة التمييز بين فن التاريخ وفن المناظرة. ورغم أنه كتب في فن المناظرة الكلامية والفلسفية، إلا أن شهرته قامت على ما كتبه في باب التأريخ للمذاهب الفكرية، سواء الدينية أو الفلسفية، خاصةً أن ما كتبه في هذا الباب مختصر من جهة، ولكنه موسوعي من جهة أخرى. 
ولعلَّ أهم ما يأتي في شأن هذا الكتاب، «الملل والنحل»، أن الشهرستاني أشار إلى طريقته في ترتيب الفرق، فقال: «وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم، من غير تعصب لهم، ولا كسر عليهم، دون أن أبين صحيحه من فاسده». ومن ثم، ورغم أن الكتاب لا يخلو من بعض الردود والنقاشات والإشارات النقدية، إلا أن الشهرستاني قام بعرض آراء «أهل الديانات والملل، وأهل الأهواء والنحل» بموضوعية وحياد قل نظيرهما في عصره، داخل العالم الإسلامي وخارجه، بل، يجب أن نعترف بأننا نفتقدهما في الجدال المذهبي والعقدي والطائفي السائد في عصرنا الراهن.
ويؤكد الشهرستاني أن الغرض الأساس من تأليف هذا الكتاب، كما يذكر في الصفحات الأولى منه، هو تقسيم أهل العالم وفقاً للآراء والمذاهب، مُفَرِّقاً بين الصنفين: «أهل الديانات والملل»، وهم المجوس واليهود والنصارى والمسلمين، وبين «أهل الأهواء والنحل»، الذين صنفهم على أنهم الفلاسفة والدهرية والصابئة وعبدة الكواكب والأوثان والبراهمة.
ولعل المتابع لما أثبته الشهرستاني في كتابه، لا بد أن يلمح أنه لم يتبع منهجاً تاريخياً في عرضه لآراء ومذاهب «أهل العالم»، كما عرفها عصره، بل، سلك منهجاً انطلق فيه من إسناد «الآراء والمذاهب» الفكرية إلى الأصل المعرفي الذي تصدر عنه، وهو: إما النبوة وبالتالي الدين، وإما العقل، وبالتالي الفلسفة والديانات الوثنية. 
والشهرستاني، يبني نظرته إلى تاريخ المذاهب الفكرية، على تقسيم واضح قاطع لأهل العالم. ففي المقدمة الأولى، من المقدمات الخمس التي يستهل بها كتابه «الملل والنحل»، يذكر أربعة تقسيمات لأهل العالم، ويتبنى التقسيم الرابع منها. التقسيمان الأولان مبنيان على أساس جغرافي، وهذا الأساس هو: إما الأقاليم السبعة، وإما الأقطار الأربعة (التي هي الشرق والغرب والجنوب والشمال). 
وبالتالي، يتضح أن الشهرستاني لا يأخذ بعين الاعتبار معطيات هذين التقسيمين، في ثنايا فصول كتابه، بخلاف التقسيم الثالث الذي يحظى بتقدير أكبر لديه، لتداخله مع التقسيم الرابع. يقول الشهرستاني: «ومنه من قسمهم بحسب الأمم، فقال كبار الأمم أربعة: العرب والعجم والروم والهند.. ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب، وذلك غرضنا في تأليف هذا الكتاب. وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل وأهل الأهواء والنحل».
ولعلَّ هذا النص، كما يبدو، يتضمن تفريقاً أساسياً بين جهتين: الأولى، تفريق بين الأمة والملة، والثاني، تفريق بين الملة والنحلة. وكما يبدو، أيضاً، فإن مفهوم الأمة في تقسيم أهل العالم، بحسب الأمم، هو مفهوم اجتماعي تاريخي، وليس مفهوماً دينياً. واقتصار الشهرستاني على ذكر «نظرية الأمم الأربع»، ليس سوى صدى لما كان شائعاً في العهود الأولى من تاريخ الخلافة العباسية، في صفوف الأدباء وعلماء الدين.
لكن الشهرستاني، لم يحافظ على هذا التفريق بين الأمة والملة في سائر أجزاء كتابه. فقد استعمل كلمة أمة بمعنى ديني، وحصر مفهومها بشكل محدد، بحيث تعني أتباع نبي معين، كما يتبين من النص الآتي: «يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ملة وشريعة، أن شبهات أمته في آخر زمانه، ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه من الكفار والملحدين، وأكثرها من المنافقين». 
أما التعارض الذي يراه الشهرستاني، بين الملة والنحلة، فهو صيغة أخرى للتعارض الذي يراه بين الدين والهوى. ففي جهة، يضع الدين والملة، وفي الجهة المقابلة يضع الهوى والنحلة. والدين، عنده، هو: «شيء مركب من الطاعة والانقياد والإقرار بالجزاء والحساب في الآخرة». أما الهوى، فإنه لا يعني عنده الميل العاطفي (أي إنه: لا يرادف القوة اللاعقلية في الإنسان)، وإنما يعني: «الاستقلال في الرأي والاستغناء عن تعاليم الأنبياء والرسل». 
ولعلَّ هذا التعريف لـ «الهوى»، يخالف تقليداً راسخاً يجعل منه (من الهوى)، في وضع المقابل للعقل، كما هو - كمثال - عند أبي بكر الرازي والماوردي. كما يخالف، كذلك، التمييز الذي وضعه عبد القاهر البغدادي - كمثال آخر - بين أهل السنة (كـ «فرقة ناجية»، في رأيه)، وبين سائر الفرق الإسلامية (التي يجمعها - البغدادي - تحت عبارة «أهل الأهواء الضالة»، أو فقط «أهل الأهواء»). 
ومن الجلي أن هذا الانتقال من وضع الهوى في مقابل العقل، إلى وضعه في مقابل تفسير معين للعقيدة القرآنية (الإسلامية)، يشكل توسعاً - حاوله الشهرستاني - في ربط العقل بالهوى، وابتعاداً عن «العقلانية» التي ظهرت بقوة في القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام، مما يتناسب مع الارتداد عليها، ذلك الارتداد الذي كان سائداً في عصر الشهرستاني. 
بل، إن الأمر الجدير بالملاحظة، هنا، أن الشهرستاني قد اعتمد تقسيماً سداسياً تدريجياً، في كلامه عن «أهل الهوى»، يبدأ بالسوفسطائيين الذين ينكرون المحسوس والمعقول، وينتهي بالملة الإسلامية التي تستوعب في رأيه كل المذاهب عدا السوفسطائية، مروراً بالطبيعية والدهرية والصابئة والمجوس واليهود والنصارى.
ومن ثم، يظهر ميله إلى التقسيم التدريجي في تمييزه ثلاث فئات في أهل الديانات: فئة أهل الإسلام، وفئة أهل الكتاب، أي: اليهود والنصارى، وفئة من له شبهة كتاب، أي: المجوس والثنوية. وهذا كله يدل على أن تصور الشهرستاني للمذاهب الفكرية، المبنية على الوحي أو المستقلة عن كل وحي، هو تصور بعيد عن روح التزمت والتعصب والانغلاق. 
هذا، بالرغم من كونه جاء بعد هجوم الغزالي على كل المذاهب «الخارجة»، عن طريق «إحياء علوم الدين». وربما كان ذلك واحداً من الأسباب التي اعتبرها ياقوتاً لتكوين رأيه في شخصية الشهرستاني، فقال عنه: «ولولا مبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذود عنهم، لكان هو الإمام».