إبراهيم الملا

«هبّت نسايم من جدا حلو اللعس
مرت ويابت لي شذاه ونسمته
واستارقت عيني وجفني ما نعس
سهران وأتذكر ليالي سهرته»

هكذا كان الشاعر محمد بن أحمد بن سوقات «1928 - 2006» يهندس قصائده الغزلية من خلال بناء شعري لا ينتصر سوى للرهافة والزخرفة والتزويق والجمال المفرط، وهي تبدو كهندسة مصاغة بيد فنّان يتجاوز الشكل الصارم لهيكلية القصيدة ومعمارها، ليذهب بعيداً نحو تخوم الروح وحدودها اللانهائية، مانحاً المتلقي شعره تلك التصاوير الخلّابة والمتحركة في فضاء رحب ومتماوج وفاتن، يملأ القلب والبصر والبصيرة؛ لذلك فليس من المستغرب أن يكون محمد بن سوقات هو أكثر شعراء النبط الإماراتيين غزارة في إنتاج الشعر الغزلي تحديداً، إضافة لقصائد أخرى كثيرة تناول فيها أغراضاً شعرية متنوعة، وكان لشعر المساجلات والردود المكتوبة في قالب فكاهي النصيب الأوفر من هذه الأغراض الشعرية اللاحقة على شعره الغزلي.
في الأبيات أعلاه والتي أداها المطرب الإماراتي علي بن روغه من ضمن أغانيه الشهيرة، والتي قدمها لاحقاً المطرب عيضة المنهالي لعشاق الطرب الأصيل، نرى الشاعر وهو يستعيد الإحساس بالنسائم التي هبّت من ناحية المحبوب «حلو اللعس»: أي صاحب السواد المستحسن في باطن الشفة - انظر لدقة الوصف هنا واستحضار التفاصيل المتباهية في العين والذاكرة - ومع هبوب هذه النسائم المستقلّة بخصوصيتها لأنها صادرة أساسا من شذى المحبوب ونسمته، داهمت الشاعر حالة من الأرق المستدام ومجافاة النوم له، مستعيداً في تلك الأثناء اللحظات الفالتة من اللقيا الجامحة وذوبانها وتلاشيها، بالتالي في تجاويف الزمن وتسربه من تلك اللحظة الفارقة التي لا يمكن تكرارها.
ويكمل الشاعر في السياق نفسه قائلاً:
مع اللي يسلّيني كلامه لي رمس
وأصغي إذا دار الحديث لرمسته
لي من وجهته خِرْس نطقي واحتبس
ويصير قلبي يرتجف من عظمته
غرّ وداده في وسط قلبي غِطس
ثابت ودايم في فوادي سَكْنِته
وتفرغ الشاعر محمد بن سوقات للأعمال الحرة والتجارة التي وجد فيها المجال الذي يرغبه ويناسب طموحه المهني، وكان مع شقيقه الشاعر حمد بن سوقات يمثلان مدرسة شعرية امتازت بالمساجلات والردود الظريفة التي كان يحاول الطرفان فيها إثبات وجهات نظرهما في المواضيع الاجتماعية الساخنة، ومن أشهر القصائد التي شهدت سجالاً طويلاً بينهما قصيدة «بص العيايز» والمقصود بها الحافلة التي تستقلها الأمهات والجدات للذهاب إلى مدارس محو الأمية، الأمر الذي شغل الناس وحظي بمساحة واسعة من الجدل الاجتماعي حينها.
رغم غزارة إنتاجه الشعري لم تصدر للشاعر محمد بن سوقات دواوين محقّقة سوى ديوان واحد أو اثنين أشهرهما الديوان الذي جمعه وحققه الشاعر والباحث الدكتور راشد أحمد المزروعي وهو بعنوان: «تصاويب الهوى».
ويذكر المزروعي في مقدمة الديوان أن الشاعر محمد بن سوقات والشاعر سالم الجمري يعدّان من أعمدة الأغنية الشعبية، وأنهما شكّلا مع الفنان المعتزل علي بن روغة ثلاثياً غنائياً شهيراً، فأبدع بن سوقات- رحمه الله- أجمل قصائد الأغاني التي شدا بها ابن روغه خلال السبعينيات والثمانينيات الماضية، فهو الذي أبدع:
حالف ما عاتب المحبوب خلّي - هيّج بكا عيني - دمعي يرى - يوم شفت احبّيبي - أسهر وأراجب - تصاويب الهوى - هبّت نسايم - حمام الراعبي، وغيرها من الأغاني الشعبية التي كان لها صيت واسع، فأطربت الأجيال لسنوات عديدة، وحركت الأشجان وصعدت بالأغنية الشعبية إلى أعلى المراتب من الأهمية.
ويبدو من الكلام الذي أورده المزروعي أن الأغنية الشعبية كان لها دور أساسي ومحوري في حفظ قصائد الكثير من شعراء النبط المميزين في الإمارات وفي مقدمتهم محمد بن سوقات، حيث تحولت قصائدهم من خلال أشرطة الكاسيت المتداولة إلى دواوين مسموعة تناقلها الناس في فترة ازدهار هذا النوع المتبادل من الفنون الأدبية والأدائية الأكثر شيوعاً في تلك الفترة.
ويحيلنا الباحث راشد المزروعي في تقديمه الوافي والتحليلي لديوان: «تصاويب الهوى» إلى الرابط الفني والشعري المتين الذي جمع الشاعرين محمد بن سوقات وسالم الجمري، حيث لا يكاد يذكر اسم ابن سوقات إلّا ويذكر معه اسم الجمري، حيث كانا أصدقاء ورفقاء المهنة، ورفقاء العلم، ورفقاء الشعر، وكانا نديمان لبعضهما البعض، مضيفاً أن أجيال السبعينيات والثمانينيات لا تنسى قصائد ابن سوقات والجمري عندما عزما على بيع سيارتهما الجيب اللتين لم تعودا صالحتين للاستعمال وكانا يطلقان عليهما باللهجة المحلية: «الجيبات القرنبع» والتي تحولت إلى قصائد فكاهية مثيرة متبادلة بينهما واشتهرت بين الناس، حيث يقول الجمري في مقدمة هذه القصيدة:
باشور شور وله تسمع/‏‏ والراي زين وبعض الأشوار
أنا معي موتر مرقّع/‏‏ «كجرة» ولا فيه شي مدقار
وإنت معك موتر قرنبع/‏‏ كلهن سوى ما يقطعن دار
ويرد عليه بن سوقات بالمطلع التالي:
للشور هذا م انتسمّع/‏‏ وأشوف رايك راي محتار
لا تقول موتريه قرنبع/‏‏ معروف م الجيبات لخيار
هذي عطية شيخ ينفع/‏‏ لي بدت الحاجة والأضرار.
وترد هذه المساجلة الشعرية الساخرة كاملة في ديوان «تصاويب الهوى» الذي جمعه المزروعي كوثيقة نادرة لا يكاد الجيل الجديد يعرف شيئا عنها، وعن الظروف والتحولات الاجتماعية التي ظهرت فيه هذه القصائد ذات النكهة المحلية المفعمة بتفاصيل منسية وبذكر لأماكن وحواضر وبلدات لم تعد موجودة على الخارطة اليوم، وخصوصا تلك الطرق والمحطات التي خبرها سائقو سيارات الشحن الكبيرة أو التي كان يطلق عليها محلياً «العريبي» والتي كانت تقطع الدروب الصعبة في الصحاري ووسط الجبال انطلاقاً من موانئ دبي والشارقة وصولاً إلى الباطنة بسلطنة عمان.

قصائد غزلية
من القصائد الغزلية التي اشتهر بها محمد بن سوقات تلك التي يقول فيها:
«نامت عيوني من عقب شوق وعنا
لازمتهن عدة شهور إعدادِ
قضيتهن ما أدري ولا أعرف وين أنا
عابر سبيل وإلّا أنا ف بلادي»
ففي هذه القصيدة ومثيلاتها من الشعر الغزلي تبرز قدرة شاعرنا الاستثنائية في الارتقاء بالقصيدة إلى حالة مشهدية ذات قوام متحرك وكأننا أمام صورة سينمائية تتوفر فيها عناصر أساسية وهي المقدمة والحبكة والصراع والمشهد الختامي، إضافة إلى لمسات الشاعر الخاصة التي يصدّر من خلالها نوازعه الشخصية ومشاعره الذاتية المتأرجحة بين الكسب والخسران، وبين الخفوت والسطوع، وبين الحيرة واليقين، مشكلاً في النهاية قصيدة ذات أبعاد بصرية متنوعة تتجلى فيها السلاسة اللغوية والجنوح نحو البساطة المركّبة التي يتمازج فيها الدالّ مع المدلول، وتصبح فيها الجوامد ناطقة، والأشياء القادرة على النطق تبدو خرساء أمام هيبة الموقف وأمام صورة المحبوب المستعصية على الوصف، فليس هناك أدق وأشقّ وأرقّ من شعر الغزل الذي يكتبه شاعرنا محمد بن سوقات، وهو يجول بين عناصر الطبيعة ولواعج العشق كي يستنبط هذه الكيمياء الشعرية الجامعة بين الإمكان والاستحالة، وبين الوجود والفناء، وبين المثول والغياب، ولعل في قصيدته «يا زين محلاها» الواردة في ديوان «تصاويب الهوى» ما يؤكد هذا المنحى التمازجي المدهش في شعر ابن سوقات، حيث يقول:
يا زين محلاها لياليك/‏‏ وأيامنا لي مرّت ويّاك
تاتي وتلفيني وأنا أييك/‏‏ رغمٍ على الحسّاد وأعداك
أقبّلك أول على إيديك/‏‏ وأثني على بسمة شفاياك
وأنظر وأطالع راحة إيديك/‏‏ وابيه العجب من نقش حنّاك.
وحسب ما يذكر لنا الباحث راشد المزروعي فقد كان معظم شعر محمد بن سوقات في الغزل ويكاد يكون جميعه مغنّى من قبل الفنان علي بن روغه، وله فقط قصيدتان في الشيوخ، إحداهما مدح في الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والأخرى في رثاء الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمهما الله، وطيب الله ثراهما، مضيفاً أن ابن سوقات ابتلي بمرض أقعده البيت لسنوات طويلة حتى وافاه الأجل المحتوم في الثالث من شهر يونيو من عام 2006 م.

منابع ثقافية متعددة
ولد الشاعر الراحل محمد بن أحمد بن سوقات في إمارة دبي، وهو من قبيلة «آل بوفلاسة»، وتشرّب منذ طفولته من منابع ثقافية متعددة، أركانها الشعر والأدب والمعرفة التي توفرت له من خلال البيت الذي نشأ به والمحاط بهيبة الأب العالم والفقيه أحمد خلفان بن سوقات الذي حظي بشهرة واسعة في الإمارات عموماً وفي دبي تحديداً، وكانت ملكة الشعر حاضرة عند الأب، حيث كان يكتب قصائده بالعامية والفصحى ومن قصائده المتداولة أثناء إحدى رحلاته البرّية:
رعى الله الركائب، حيث سارت.. ولقاها المعونة والمثابا

قالوا عن ابن سوقات
«شاعر لا يخلو شعره من نكتة لطيفة ونادرة، يمتاز شعره بالسلاسة وحسن الأسلوب، وليس في شعره ما يوحي بالتكلف».
الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب
...............
«اسم لمع حديثه وذاع في ستينيات القرن الماضي من خلال أغاني الفنان علي بو الروغة الذي حفظ كثيراً من تراثنا الشعري الشعبي».
بلال البدور رئيس مجلس إدارة ندوة الثقافة والعلوم في دبي.
....................
«تميز بقاموس خاص من مفردات اللهجة المحلية في الإمارات، ساعد شعره في نشرها وانتشارها، يعد من الجيل القديم للشعراء، كما أنه واكب ثلاثة أجيال متلاحقة وارتبط في ذاكرتي بأيام الطفولة أثناء سماع قصائده، وهي تنشد بأصوات المطربين».
الأديب ناصر الظاهري
....................
«أحد أهم شعراء الجيل الذهبي للقصيدة الشعبية في الإمارات، أسس مع الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب برنامج مجلس الشعراء، وكانت له سجالاته الشعرية المعروفة مع العديد من الشعراء».
الباحث سلطان بن بخيت العميمي