شيخة الجابري

مبارك عليكم الشهر الفضيل، قد حلّ الضيف الحبيب، ولم يأتِ معهُ أحد، جاء وحيداً هذا العام إلاّ من طقوسنا الدينية المرتبطة به، وتعلقنا فيه بكلّ شيءٍ نحبه من عادات اجتماعية ويومية تربطنا بتفاصيل لا تحدث إلاّ في رمضان الذي ننتظره بشغفٍ في كل عام، ليأتي، وهذا الابتلاء من الله تعالى المسمى «كوفيد- 19» يقطعنا عن أهلنا وأحبتنا وأصدقائنا، وعاداتنا المتشحة بالحب والسعادة، يسرقُ منّا أجمل اللحظات التي لا تحدثُ إلاّ في رمضان، والعادات التي لا تحلو إلاّ فيه.
لأول مرة تهلّ أيها الشهر الحبيب والمساجد قد أُغلِقت أبوابها، خالية إلاّ من أصوات المؤذنين، عطشى تشتاق محبيها وتلك الأقدام المباركة التي تتسابق للصلاة وتتلهف للتراويح، تحتضن المصاحف، ترتدي القلوب حُلة الفرح، يقف المصلون وراء الأئمة مكبّرين مهللين، مشتاقون وهم في مساجدهم إلى الحرم المكي وطواف بكعبته المباركة، وللمسجد النبوي الشريف وزيارة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام.
يأتي رمضان هذا العام لا هدايا من الأحباب، ولا تبادل منافع يومية يعني لا «هْريسه، لقيمات، خنفروش، فريد، لْبينه بارده، روبه رايبه، صحن كستر، أو مْليلةْ فَرني عيش»، يعني لا «لمّة أحباب إخوان وأخوات أبناء وزوجات وأحفاد، وأحبة وأصدقاء» حفظهم الله، لا أحد سوى ذات الوجوه الغالية تلتقي على مائدة الإفطار، يا الله كتبت َ لنا كل خير اللهم لا اعتراض على قضائك، أيام ويزول الوباء وتعود الضحكات تملأ أروقة القلوب والمُقل.
من العادات الخاصة بالمجتمع الإماراتي التي افتقدناها هذا العام ذاك التعاضد الاجتماعي الذي كنّا نشاهده ونحن نمُر أمام البيوت العامرة بالخير والتي تشارك الآخرين فرحتهم بالصيام، فتقوم بتوزيع الوجبات الخاصة بالشهر الفضيل على من يرغب من أفراد المجتمع والمقيمين فيه في تعبير إنساني خالص عن محبة الآخر، وتوفير ما يلزمه هو وأسرته من احتياجات تحقق له الاكتفاء وتُشعره بأنه بين أهله وذويه، ليس غريباً في وطن التسامح والتعاون الإنساني النبيل.
يعود رمضان ولسان حالنا يردد: كيف جئت أيها الشهر الحبيب والعالم يقف على صفيح ساخن من القلق والخوف، ومراقبة التحركات، من خرج من المنازل ومن دخل إليها، عاداتنا الرمضانية أصبحت غريبة، تشعر بالوحشة وأنت تنظر إلى مدخل منزلك متسائلاً: من القادم، أيّ ضيف كريم يحل علينا اللحظة، وإذا بالريح وحدها تحرك الأبواب ولا أحد غيرك ينتظر الأحباب، وقلبك متشحٌ بالأمل وبأنهم سيعودون والأيام الحلوة معهم، فترتسم البسمة على الوجوه وتطيب اللقاءات، وينتصر هذا الوطن الغالي بتكاتف أبنائه والمقيمين فيه على كل التحديات.