لكبيرة التونسي (أبوظبي)

رغم سهولة الحياة ورغد العيش في الوقت الحالي إلا أن مريم علي عبيد تشتاق إلى رمضان الزمن الأول، حيث كانت اللقاءات العائلية والحكايات الشعبية، وسكون الليل وصوت الطبيعة، وشغب الأطفال وصفاء النفس.. هكذا جرها الحنين إلى رمضان الصغر والشباب، فطالما يعود رمضان حاملاً في طياته ذكريات بعيدة علقت في الأذهان من روائح وكلمات ومشاهد وصور تضاعف الحنين للماضي.
مريم عبيد ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتجليات وروحانيات الشهر الفضيل خلال طفولتها، تغوص في ذاكرتها وتروي قصتها وعيناها لا تغادر سف النخيل يتراقص بين يديها بخفة، فرغم ظروف الفترة الحالية التي تتطلب البقاء في المنزل، إلا أن مريم لم تغادر مهنتها التي تعشقها، وظلت تحيك أجمل الحكايات، حيث جلست الوالدة مريم الشغوفة بالصناعة التقليدية في زاوية من بيتها تمارس مهنة الأجداد التي كانت النخلة المباركة مصدرها، مؤكدة أنها تتقن العديد من الحرف، بل تسعى إلى التجديد فيها وإدماج التراثي بالعصري بطريقة مبتكرة، حيث تقوم بنسج أو تجديل سعف النخل ودمجه مع خيوط التلي الفضية، لصنع منتجات وأدوات مختلفة استخدمت في الماضي لسد احتياجات الحياة اليومية كالأواني والأفرش وغير ذلك، حتى وجدت طريقها إلى المعارض العالمية قبل توقف الحياة في ظل الإجراءات الاحترازية لمنع تفشي كورونا، مؤكدة أن هذه الصناعة ورثتها عن أمها والجدات اللواتي كن يجتمعن لممارسة مختلف الحرف اليدوية، موضحة أن هذه المهن كان يزيد الإقبال عليها قبل شهر رمضان، حيث كانت الأمهات تسعين جاهدات إلى توفير جميع احتياجات البيت من أفرشة وأواني وملابس وديكورات بسيطة من جهدهن الشخصي دون اللجوء إلى المحلات التجارية.

مدرسة رمضان
يصطحب رمضان معه سعادة الطفولة التي تسكن الذاكرة، لا سيما أن الشهر الكريم يشكل لمريم عبيد مكانة خاصة ويتضح ذلك في قولها: «عشت طفولتي مع الوالدة بعدما توفي والدي وعمري لا يتجاوز 7 سنوات، وترك في حياتي فراغاً كبيراً، فقد كان حريصاً على تدريسنا القرآن، وبعدها تابعت في المدرسة، لكن سرعان ما تغير كل شيء بوفاته، وتوقفت عن الدراسة، وبدأت أتعلم الصناعات والحرف اليدوية وشؤون البيت من تنظيف وغسل الملابس وطهي الطعام».
وتوضح أن رمضان بطقوسه وعاداته شكل مدرسة مهمة في الحياة في السابق، حيث كانت الأمهات تعتمد اعتماداً كلياً على الفتاة وتمنحها الثقة في النفس وتعدها لتستقبل بيتها أفضل استقبال، ومن خلال رمضان كانت تتعلم إعداد القهوة وأنواع مختلفة من الأطعمة واستقبال الضيوف وتجهيز الفوالة، كما كان يعلم الأطفال الصغار الصلاة وغرس القيم وتعزيز العدادات والتقاليد، مشيرة إلى أن الناس في السابق كانوا ينامون باكراً ويصحون باكراً، يمارسون طقوسهم الدينية والروحية كاملة.
وقالت: تلك الفترة تشكلت في ذاكرتي وغرست كل الذكريات الجميلة، لا سيما أنه كان يتيح لنا فرصة للعب وزيارة التجار في السوق لتذوق أشهى الحلويات والعصائر، وتبادل الأطباق مع الجيران، حيث لم تكن للبيوت جدران، ولم نكن نطلب موعداً مسبقاً للزيارة، كما كنا نتسابق على أخذ الصينية التي يجهزها أهلنا للمسجد.. ومن ذكريات هذه الأيام الجميلة أنه عندما كان أهلنا يرغبوننا في الصيام إعداداً لمرحلة البلوغ، كنا نتظاهر بالصوم ونتوارى عن الأنظار ونشرب الماء أو نأكل بعض الحلويات، وفي الأيام التي كانوا يسمحون لنا باستراحة من الصوم خلال الشهر الفضيل كان ما تبقى من سحورهم يشكل لنا وجبة فطور شهية.

روح الماضي
وأشارت إلى أن طغيان التكنولوجيا وانتشار الآلة جعل الحياة سهلة ومريحة، لكن في المقابل تنقصها روح الماضي، من التمام الأهل والجيران وتبادل الأطباق وتلك البساطة والحكايات الشعبية، مضيفة: كان الجيران يأتون لبيتنا من دون التشدد في تحديد موعد مسبق، كنا نعد طبقاً واحداً ونرسل منه للآخرين ويأتينا يومياً طعام من سابع جار، فتزهر المائدة بألوان الأطباق، ولاعتبارات اجتماعية كنا نفطر أول يوم عند كبير العائلة سواء الوالد أو الأخ الكبير، أما الرجال، فكانوا يتسامرون ويتبادلون أطراف الحديث ويتناولون طعام الفوالة بعد صلاة التراويح، وكان الفريج في الزمن السابق وطناً كبيراً بالنسبة لنا.

عائلة كبيرة
بعد أن كانت مريم عبيد تلعب في الفريج عصراً خلال رمضان وتساعد الأمهات وتوزع الأطباق على الأصدقاء وتتابع نجوم السماء ليلاً مع صديقاتها، سرعان ما وجدت نفسها مسؤولة عن عائلة كبيرة، حين تزوجت في عمر صغير، بأسبوع قبل رمضان، أصبحت مسؤولة عن بيت وكل ما يتطلبه من واجبات، بحيث أكدت أن البداية كانت صعبة لا سيما أن الزوجة في ذلك الوقت عليها أن تتحمل جميع أعباء البيت، حيث تذكر أنها كانت تبدأ بعد العصر في طهي الطعام بعد أن تقوم الصباح بتنظيف البيت، ورغم تواجد المساعدين في البيت إلا أن من عادات ذلك الوقت أن سيدة البيت هي من تقوم بطهي الطعام واستقبال الضيوف والوقوف على كل كبيرة وصغيرة في مملكتها.