خولة علي (دبي)

استرجع سالم الفلاسي ذاكرة ارتباطه بالبحر بقوله: لنا مع البحر ذكريات لا تنسى، فهو كان مصدر رزقنا الرئيسي، ولهونا على شواطئه ونحن صغار، حتى كوَّنا ذكريات ما زالت حيَّة فينا، فمن الجميل أن يقف الفرد مع ماضيه الذي كان سبباً في بناء شخصيته، والتزود بالخبرات من خلال الاحتكاك بالحرفيين الأوائل الذين قدموا لنا مهاراتهم وخبراتهم العملية والحياتية بكل حب، وعلى الرغم من مشقة العمل والجهد الذي نبذله ونحن نمارس حرف صناعة القراقير وإلى جانب الأقفاص، إلا أن تعب العمل يزول عند انتهاء وتشكيل العمل الذي بين يدي، بعد مراحل تحمل الكثير من التفاصيل الشيقة، التي تتخللها وقفات من الألم والحزن، على فراق من رحلوا ومن تركوا فينا إرثاً ما زلنا نصنع به حاضرنا ومستقبلنا.

منتجات النخيل
ويرى الفلاسي أنه كان لرمضان وقع خاص ومختلف، حين يزداد النشاط والرغبة في العمل، منذ الصباح الباكر حتى وقت صلاة الظهر ثم استراحة وبعدها معاودة العمل إلى غروب الشمس، حيث يمضي الوقت في ممارسة أعمال معظمها يدوي، ومنها حرفة صناعة القراقير باستخدام خامة النخيل، نظراً لعدم توفر الأسلاك في الماضي، فكان جل الاعتماد على النخلة، التي قدمت الكثير وما زالت، حيث كان يتم تجهيز المواد من عسق النخلة الخامة التي تعتمد عليها صناعة القراقير والأقفاص، بعد جلب العسق من أشجار النخيل المنتشرة زراعتها في البيوت وفي الأزقة، ويتم التجفيف، ثم التجريد من الورق، فيصبح جريداً، عندها يشرخ أو يفلق بأدوات حادة، ثم يتحول لأشرطة لينة بعد أن توضع لفترة في الماء، حتى يتم تشكيلها ونسجها بطريقة معينة، وجعلها أكثر قوة ومتانة بحبكها بحبال خاصة يتم صناعتها من ليف النخل، ولكن تطورت الحياة بعد ذلك، وقل الاعتماد على منتجات النخلة في هذه الصناعة مع ظهور صناعات الحديد ومعرفة الأسلاك، وتم استخدامها، حيث أصبحت القراقير أكثر متانة وقوة وتحملاً للبقاء مدة أطول في قاع البحر.

طعم السعادة
وأضاف: وجدت متعتي في هذه الحرفة، وتوجهت لصناعة منتجات أخرى باستخدام عسق النخيل، منها عمل المدخنة، وهي عبارة عن شكل هرمي قائم على ثلاث قواعد من الجريد، يتم ربطها مع بعضها البعض من خلال تشكيل شرائط عسق النخيل، وعادة ما تستخدم المدخنة لتبخير الملابس، حيث توضع على فوهتها العلوية ويوضع تحتها المدخن، وما زلت أمارس هذه الحرفة التي أخذت وقتي، وتلقيت الكثير من الطلبات على المنتجات، فهي محطتي التي أجد فيها سعادتي وراحتي ولي معها ذكريات تتجدد ما إن أجلس في فناء منزلي مداعباً أوراق النخل، غارقاً في تفاصيل العمل، خاصة في رمضان، حيث أقضي المزيد من وقتي ممارساً هذه الحرفة سعيداً بالإنتاج.

إيجابية
والشهر الفضيل حسب الفلاسي فرصة لكل فرد كي يسترجع دوره في الحياة، ماذا ساهم وماذا حقق وما يسعى له؟، فدائماً الإنسان المنتج تكون نظرته للحياة مختلفة وأكثر إيجابية، فلا تتوقف لديه عجلة العمل في كل وقت، والذي يقابله برضى ومتعة وبهجة مستمرة، فما كنا نراه من همة في نفوس الأهالي قديماً، تجاه ما يزاولونه من مهن في بيئة شاقة وصعبة، مع الطقس الحار والصيام، هو نتيجة إيمانهم القوي بأهمية أن يبذل الفرد قصارى جهده ليطور من معيشته ومهارته.
ويؤكد الفلاسي قائلاً: ما زال يمدنا الشهر الفضيل، بدفعة قوية من النشاط والعمل، والرغبة في إثراء مجالسنا بالذكريات التي نستعيدها مع الأهل ونعيش تفاصيلها على إيقاع الضحكات التي تدوي في جلساتنا التي لا تتوقف ولا تهدأ من كثرة الزوار الضيوف. فتظل البيوت عامرة في أبهى صورها.

  • سالم الفلاسي: «ولنا مع البحر ذكريات»