حسين معلوم كاتب وباحث مصري

مشاعل.. في تاريخ الفكر الإسلامي
«نحتاج إلى لحظة تأمل في تراثنا الحضاري الإسلامي.. لحظة ندرك من خلالها هذه اللمحات المضيئة التي ساهم بها العديد من المفكرين العرب والمسلمين من خلال علمهم وأفكارهم، لا لكي نرتكن إليها، ولكن من أجل الاسترشاد بها في الاستعداد للمستقبل والتميز في الحاضر، والانطلاق من المفيد منها أولاً ونتائج منجزات العصر ثانياً.
في الوقت الذي كان فيه ابن باجة، أبو بكر محمد بن الصائغ (475 - 533 هـ)، بصدد إنتاج خطاب فلسفي جديد، ويؤسس لمشروع فلسفي يتحرر ليس فقط من القيود السياسية التي كانت تكبل الفلسفة قبله، بل يتحرر كذلك من القيود المعرفية التي عانت منها الفلسفة داخل الثقافة العربية والإسلامية إلى عهده.. كان المهدي ابن تومرت، في الوقت نفسه، ينشر دعوته ويعمل على تنظيم حركته داخل المغرب لبناء دولة الموحدين على حساب دولة المرابطين.
صحيح أنه يصعب إقامة صلات مباشرة بين ابن باجة وابن تومرت، إلا أنه مما لا شك فيه أن تيار التجديد في المغرب والأندلس، سواء في العقيدة أو في الشريعة أو في اللغة أو في الفلسفة، كان تياراً واحداً.
والواقع، أن «ترك التقليد والرجوع إلى الأصول»، كان قد ساهم في تحرير الخطاب الباجي ليس فقط من إشكالية التوفيق بين النقل والعقل، ولكن أيضاً من إشكالية توظيف العلم في دمج الدين في الفلسفة والفلسفة في الدين، ليعود العلم، كما كان مع أرسطو، ومع من تأثروا به من المفكرين المسلمين: «الأساس الذي تَبني عليه الفلسفة صرحها».
من هنا، كانت المادة العرفية التي تعامل معها ابن باجة في خطابه الفلسفي، مادة «علمية» أساساً.. نقصد بذلك، اعتماده الكلي على علم عصره، أي طبيعيات أرسطو، في بناء حلمه الفلسفي الذي تضمنته رسائله «الإلهية»، وبالخصوص منها: رسالة «تدبير المتوحد»، أشهر رسائله كافة.
في هذه الرسالة، «تدبير المتوحد»، حرص ابن باجة على تمييز «التوحد» عن «التصوف» وطريق المتصوفة. إذ، إن «التوحد» عنده سلوك عقلي هدفه اكتساب المعرفة النظرية «البرهانية» (الفلسفية)، بحقيقة الكون ومركز الإنسان فيه.
أما ما يدعيه المتصوفة من «كشف» أو «مشاهدة»، إنما هو عنده حالة «سيكولوجية» ناتجة - كما يقول - عن تجنيدهم لقوى النفس الثلاث: الحس المشترك والمخيلة والذاكرة، بوساطة ما يسمونه رياضات ومجاهدات، فيركزون في ذهنهم على صورة واحدة، يرسمها لهم خيالهم، عن الموضوع الذي ينشغلون به - وهذا ما يسمونه بـ  «الجمع» - فيحضر هذا الموضوع في ذهنه في شكل «صورة روحانية» (أي: ذهنية، لا مادية) ناصعة مشبعة كأنها محسوسة.
ويضيف ابن باجة: «ويشاهد العجيب من فعلها […]، ولذلك زعم الصوفية أن إدراك السعادة القصوى قد يكون من دون تعلم، بل بالتفرغ، وبأن لا تخلو طرفة عين عن ذكر المطلق، ولأنه متى فعل ذلك اجتمعت القوى الثلاث وأمكن ذلك».. ثم يستطرد، قائلاً: «وهذه كلها ظنون، وفعل ما ظنه أمر خارج عن الطبع». ويُعقب ابن باجة في مكان آخر على ما ذكره الغزالي، من أنه: «شاهد عند اعتزاله أموراً إلهية والتذ التذاذاً عظيماً»، قائلاً: «وهذه كلها ظنون وأشياء يقيمها [= الغزالي] مثالات الحق، وهذا الرجل بيَّن أمره إنه غالط أو مغالط بخيالات الحق». وكما هو واضح، فإن ابن باجة يتخذ موقف الرفض المطلق من «العرفان».
وفي ما يبدو، عبر رسالة ابن باجة هذه، «تدبير المتوحد»، فإن الخطاب الباجي كان - في حقيقته - خطاباً فلسفياً خالصاً يتحرك في دائرة الفلسفة والعلم. أما دائرة الدين، فهو يتعامل معها كدائرة مستقلة مبنية على الوحي، وهي في نظره من «المواهب الإلهية» التي: «لا تكون باختيار الإنسان وليس له في وجودها أثر يدخل في هذا القول [الفلسفي]، وأيضاً فإنها موجودة في الفرد من الناس في النادر من الزمان، فلا تقوم من هذا الصنف من الموجودات صناعة أصلاً (أي علم) ولا نحوه تدبير إنساني».
بل إن ابن باجة يفصل بين دائرتي الدين والفلسفة فصلاً تاماً، فنراه يقول: «إن صالح السلف قالوا إن للإمكان صنفان: صنف طبيعي، وصنف إلهي. فالطبيعي هو الذي يدرك بالعلم ويقدر الإنسان على الوقوف عليه من تلقائه. أما الصنف الإلهي فإنما يدرك بمعونة إلهية، ولذلك بعث الله الرسل وجل الأنبياء ليخبروا معشر الناس بالإمكانات الإلهية، كما أراد عز اسمه من تميم أجل مواهبه عند الناس وهو العلم».
والجدير بالملاحظة، هنا، أن ابن باجة، في هذا الإطار، يقسم الموجودات إلى متحرك وغير متحرك: «فالمتحرك أجسام متناهية وحركتها أزلية، ولا بد أن يكون لها محرك أزلي متناه، وهو العقل. وتتوسط النفس بين الجسم والعقل، لذلك يجمع إدراكها للجزئيات بين الإحساس والتعقل. ويتدرج العقل في الكمال من الأدنى إلى الأعلى، فيدرك أولاً الصور المعقولة للجسمانيات، ثم التصورات النفسية التي تتوسط بين الحس والعقل، ثم العقل الإنساني ذاته، والعقل الفعال من فوقه». وبالتالي، يترقى الإنسان من الجزئي إلى الكلي، في رؤية ابن باجة، من خلال تجاوزه «طور ما هو إنساني إلى ما هو إلهي»، بإرشاد من الفلسفة.
فالعقل الإنساني، عند ابن باجة، لا يبلغ مبلغ الكمال بالأحلام الصوفية، ولكن بالمعرفة العقلية. فالنظر العقلي هو «السعادة الكبرى»، وليس من سبيل إليها باعتزال الناس، بل، بتنمية العقل باستمرار وبلا حد أو قيد.
هذه الرؤية تتبدى بوضوح عبر رسالة ابن باجة، حيث يستهل «تدبير المتوحد» بالقول: «لفظة التدبير.. أشهر دلالتها بالجملة: ترتيب أفعال نحو غاية مقصودة». ومن ثم، فهو يتناول معنى التدبير وأصنافه الرئيسة، التي من أهمها «تدبير المتوحد»، أي: تدبير الإنسان المفرد «سواء كان هذا المفرد واحداً أو أكثر من واحد».
ولأن التدبير هو، بالتعريف، «ترتيب أفعال»، لذا يقوم ابن باجة بتحديد أصناف الأفعال التي تصدر عن الإنسان، لمعرفة أي منها يمكن أن يكون موضوعاً لهذا التدبير. وبما أن الإنسان جسم وإحساس وعقل، فإن الأفعال الصادرة عنه: إما أن تصدر عن طبيعته الجسمية، وهي أفعال اضطرارية لا يمكن أن تكون موضوعاً للتدبير، وإما أن تصدر عن الإحساس، وهي أفعال غريزية لا يمكن، أيضاً، أن تكون موضوعاً للتدبير.. ولا يتبقى بعد ذلك إلا الأفعال التي تنسب إلى الإنسان، بوصفه كائناً عاقلاً، وهي الأفعال التي تصدر عن إرادة الإنسان واختياره، وبعد روية وتفكير. وهذه هي الأفعال الإنسانية على الحقيقة، كما يرى ابن باجة، لأنها تصدر عن العقل الذي يختص به الإنسان، والتي تكون مناطاً للتدبير.
هكذا، يبدو العقل كـ «مرتكز» للتدبير، «تدبير المتوحد»، كما يرى ابن باجة.. فهو يستهدف العقل، عقل الإنسان المفرد قصد بلوغ أكمل وجوداته، أي الارتفاع به إلى أعلى مستوى من الحياة العقلية، إلى درجة الفيلسوف الذي ينظر إلى كل شيء بعين العقل، فيرى العقل في كل شيء ويصير هو إياه، وتلك هي «السعادة الكبرى».
وهكذا، تبدو محاولة ابن باجة في السعي إلى التحرر التام من شاغل «التوفيق» بين الدين والفلسفة، تماماً مثل حرصه الشديد على تمييز «التوحد» عن التصوف، و«تدبير المتوحد» عن «مسالك الصوفية».. وذلك كله بهدف إنشاء «واقع» فكري جديد، يضع العقل في مركز الدائرة الإنسانية.