حسين معلوم, كاتب وباحث مصري

«نحتاج إلى لحظة تأمل في تراثنا الحضاري الإسلامي.. لحظة ندرك من خلالها هذه اللمحات المضيئة، التي ساهم بها العديد من المفكرين العرب والمسلمين من خلال علمهم وأفكارهم، لا لكي نرتكن إليها، ولكن من أجل الاسترشاد بها في الاستعداد للمستقبل والتميز في الحاضر، والانطلاق من المفيد منها أولاً ونتائج منجزات العصر ثانياً.

ابن سينا، أو الشيخ الرئيس، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن سينا (370 - 428 هـ)، كان بالفعل شيخاً ورئيساً: كان شيخاً، أي: أستاذاً مُكَرِساً لرؤية فلسفية خاصة، وكان رئيساً أي: قطباً لرحى التفكير الفلسفي في عصره وما بعد عصره. وإذا كانت هذه الصورة لا تنطبق عليه، تمام الانطباق، أثناء حياته، فإن ذيوع مؤلفاته، بعد وفاته، جعلته «المرجع» الذي يفسر ما قبله وما بعده، بشكل يدعو إلى الانتباه والتأمل.
والواقع أن ابن سينا، كان قد تتلمذ على كتب الفارابي، وكان، في الوقت نفسه، قد تبنى المنظومة الفكرية التي شيدها الفارابي، فاعتمد تقسيمه للوجود إلى «واجب» و«ممكن»، واتخذ منه منطلقاً لإعادة بناء تلك المنظومة، هذا، فضلاً عن أنه احتفظ بنظرية «الفيض» الفارابية (التى تبين لنا كيفية صدور الموجودات)، وربط مثله السعادة بالمعرفة الكاملة بـ «مبادئ الموجودات».. إلا أن ابن سينا كان قد أدخل تعديلاً على نظرية الفيض، تعديلاً أصبح الفيض بمقتضاه ثلاثي القيمة، وليس ثنائياً كما كان عند الفارابي.
بناءً على هذا التعديل، قسم ابن سينا الوجود إلى ثلاثة أصناف: واجب الوجود بذاته (الله)، ممكن الوجود بذاته واجب الوجود بغيره (العالم)، ممكن الوجود (الحوادث...). تلك هي «القسمة العقلية» التي انطلق منها ابن سينا في بناء نموذجه الخاص، وهي القسمة نفسها التي يزهو بها زهواً كبيراً، كونها مكنته - بحسب رأيه - من إقامة الدليل على «وجود الله» استناداً فقط إلى تأمل فكرة الوجود. وفي رؤيته، فإن هذا الدليل هو «أوثق» و«أشرف» الأدلة.

توجه
ولم يتجه ابن سينا التوجه نفسه الذي كان للفارابي، ولكن اتجه اتجاهاً آخر أكثر انسجاماً مع اتجاه التاريخ في عصره، الذي كان عصراً للتمزق الاجتماعي والسياسي، بل و«العقيدي» (الأيديولوجي) أيضاً، عصراً أخذت فيه الحضارة العربية الإسلامية تشق طريقها سريعاً نحو التراجع. ومع ذلك، فقد كان عصراً لازدهار الفكر والثقافة في مختلف الميادين.
ولعل ذلك كان أهم الأسباب الدافعة إلى اعتبار الكثير من المؤرخين لابن سينا بأنه قمة الخط «الصاعد» الذي يتوج مجهودات الكندي والفارابي في الفلسفة والرازي في الطب.

فكر
وأياً كان الأمر، فإن ابن سينا يعد من الفلاسفة الذين أسهموا بنصيب وافر في التأثير على جوانب مهمة من الفكر العربي والإسلامي في مراحل تالية. بيد أن الملاحظة التي نود أن نسوق، هنا، هي ذلك الجانب من الفلسفة السينوية الذي لم ينل - رغم أهميته - العناية التي يستحقها، ونعني به مجال الطبيعيات.
ولعل البحث في الفلسفية الطبيعية عند ابن سينا، يعد على جانب كبير من الأهمية، لأسباب عديدة متنوعة.. منها: أن فلسفته الطبيعية ما تزال مسار خلافات مردها تشعب فلسفة ابن سينا وارتباطها بنظريات أخرى له في قدم الكون، ونظرية العلل والمعلولات وتقديره للضرورة ونفيه للمصادفة.. ومنها: أن فلسفته الطبيعية من أكثر الفلسفات التي ترتبط بالميتافيزيقا عنده، وهذا يتضمن إشكاليات لا حصر لها.. ناهيك عن أن فلسفته الطبيعية تبدو وكأنها الأصل الذي تتفرع عنه بقية نظرياته الأخرى.
ورغم تعدد مؤلفات ابن سينا وتنوعها في مجال الطبيعيات، وفي غيرها من المجالات، فإن كتابه: «الشفاء»، يأتي كأهم كتبه في الفلسفة، وقد جمع فيه العلوم الأربعة (منطقيات، طبيعيات، إلهيات، رياضيات).
والكثير من كتب «علم الكلام» والفلسفة وقد تأثرت به، مثل «المواقف» للإيجي، و«المقاصد» للتفتازاني، و«العقائد» للنسفي، و«الشروح» لصدر الدين الشيرازي.
ومن خلال كتاب «الشفاء»، فإذا كانت العلوم الطبيعية - كما يرى ابن سينا - تدرس الأشياء الواقعة تحت الحواس من الأجسام وأحوالها وما يصدر عنها من حركات وأفعال، فإنها، بالتالي - حسب ترتيب «الشفاء» - تنقسم إلى ثمانية فنون: السماع الطبيعي، السماء والعالم، الكون والفساد، الأفعال والانفعالات، المعادن والآثار العلوية، النفس، النبات، الحيوان.
ولعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن أكثر الاختلافات الحاصلة حول الفلسفة السينوية، إنما تمثلت في ذلك «الفن السادس»، أي: «النفس». فهو، في حقيقة الأمر، قد صرف كامل اهتمامه إلى النفس مهملاً شأن العقل، فكان بذلك «فيلسوف النفس»، حيث تتلخص رؤيته، في أن: «النفس جوهر مستقل عن البدن»، وأن: «الإنسان غير هذا البدن المحسوس»، وأن: «النفس تتخذ البدن آلة لها لاستكمال حقيقتها والرجوع إلى الحضرة الإلهية، حيث تعيش في سعادة أبدية».

الجسم
رؤية النفس بهذا الشكل، تأتي كنتيجة للنظرية التي تبناها ابن سينا ودافع عنها في مختلف كتبه، وانشغل بها أيما انشغال. إنها «النظرية» التي مفادها: إن النفس جزء من الصانع وأنها مكث مدة في هذا الجسم، فإذا هي خضعت لعملية «التطهير» عادت إلى أصلها.
من هنا، نلاحظ حرص ابن سينا، في مؤلفاته عموماً وفي «الشفاء» على وجه الخصوص، في البرهنة على وجود النفس، وأنها جوهر روحاني مستقل بذاته، وأنها مفارقة وخالدة. إذ، أن الإنسان هو «غير هذا البدن المحسوس»، بل هو النفس التي يشير إليها كل واحد بقوله «أنا».
وهو يرتب على ذلك، نتيجتين: الأولى، أن النفس: «جوهر روحاني فاض على هذا القالب (البدن)، وأحياه واتخذه آلة لاكتساب المعارف والعلوم حتى يستكمل جوهره بها، ويصير عارفاً بربه عالماً بحقائق معلوماته، فيستعد للرجوع إلى حضرته ملكاً من ملائكته في سعادة أبدية لا نهاية لها».. والثانية، أن السعادة الكاملة الدائمة: «سعادة نفسية شخصية تتوقف على التحرر من أدران البدن واستعجال الموت».
وبالتالي، يبدو الهدف «السينوي» بوضوح، ذلك الذي يتمحور حول رسم طريق «الشفاء» للنفس المعذبة في سجن بدنها، و«النجاة» عبر حلم أبدي لا يعترف بالزمان ولا بالمكان، و«الرحيل» إلى عالم النفوس التي ترتع في بحبوحة السعادة الأبدية.
وأياً كان أمر الاتفاق أو الاختلاف مع الفلسفة السينوية، وأطروحاتها، فإن هذا لا ينفي: ليس، فقط، الجهد الذي بذله ابن سينا للعديد من الآراء التي قال بها ودافع عنها.. ولكن، أيضاً، في التأثير «الهائل» الذي مارسه ابن سينا في من لحقوه (جاؤوا بعده)، وخاصةً الغزالي والسهرودي.