أحمد القاضي (القاهرة)

من بين ثلاث عشرة نسخة كتبها بخط يده للقرآن الكريم، وهب الخطاط عثمان طه، إحداها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لتكون وقفاً لله تعالى، على روح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وهي النسخة التي طبعها مركز محمد بن راشد لطباعة المصحف الشريف.

وكتابة نسخة كاملة من القرآن الكريم أخذت من عمر هذا الرجل الذي تشرف بطباعة اسمه في المصحف الشريف، ثلاث سنوات، ويرجف حين يكتب آيات النار والعذاب، ويتساقط العرق من جبينه من شدة الخوف، ثم تأتي آيات الجنة والنعيم لتطمئنه ويعود إلى حالة من ثبات القلب والروح، ويستغرق في الكتابة حتى يسقط القلم من يديه، وينام على أوراق مصحفه الطاهرة.

  • عثمان طه.. نصف قرن من كتابة المصحف


كما لم يكتب خطاط المصحف الشريف حرفاً واحداً من القرآن الكريم، إلا وهو على وضوء، فهذا طقس اعتمده منذ أن بدأ في كتابة أول نسخة من مصحف المدينة المنورة، الذي سلمه لمجمع الملك فهد، وطبع من هذه النسخة 200 مليون نسخة، وذهبت إلى كل بلاد العالم، وقدم منذ أكثر من خمسين عاماً مضت أول نسخة من القرآن مكتوبة بخط اليد في سوريا، قبل أن ينتقل إلى المملكة العربية السعودية، ليظل إلى أن تجاوز الخامسة والثمانين من عمره شغوفاً بالقرآن الكريم، وآيات الله والقلم هما حياته، وأفنى كل جوارحه وسخرها لخدمة المصحف الشريف، وتحديداً نسخة المدينة المنورة التي يقرأ منها المسلمون يومياً في شتى بقاع الأرض.
الخطاط عثمان طه ابن الشيخ عبده حسين طه، إمام أحد المساجد في ريف حلب السورية، وفي هذا المسجد تعلم خطاط المصحف الشريف كيف تكون الكتابة بخط الرقعة، حتى أتقنها تماماً، وطيلة مراحل دراسته تنقل بين أيدي علماء الخط في سوريا، وأشهرهم محمد المولوي، عبدالجواد الخطاط، وتوطدت علاقته بخطاط مدينة حلب آنذاك إبراهيم الرفاعي.
لم يكتف عثمان طه من الخط وفنونه بعد فحاول التعرف على أنواع أكثر، فذهب إلى خطاط بلاد الشام، وخطاط العراق، وتتلمذ على يد سامي برهان ونعيم إسماعيل في علم الرسم والزخرفة، وبعد هذه الرحلة الطويلة حصل على إجازة في حسن الخط من شيخ خطاطين العالم الإسلامي حامد الآمدي.

  • عثمان طه.. نصف قرن من كتابة المصحف

هذا الشغف بدراسة الخطوط والإبحار في علومها جعله من المرشحين لكتابة المصحف الشريف، في نسخة جديدة، فبراعته لم تأت من حسن خطه فقط، وإنما لقدرته على كتابة مصحف منسق لا تلتبس فيه الحروف على القارئ، ولا يتكدس السطر بالكثير من الكلمات، ويأتي السطر الذي يليه فارغاً، فهو الذي قسم الكلمات ووضعها في سياقها الصحيح، فتشابهت كل صفحات المصحف، وأصبح من السهل على العين قراءتها.

ليسانس الشريعة
عثمان حاصل على ليسانس في الشريعة الإسلامية، ودرس اللغة العربية، والرسم، والزخارف الإسلامية، ونال إجازة في حسن الخط من شيخ الخطاطين في العالم الإسلامي حامد الآمدي، رحمه الله، عام 1973، وتتلمذ في الخط على يد كل من الخطاطين: محمد علي المولوي، وإبراهيم الرفاعي في حلب، ومحمد بدوي الديراني في دمشق.

علاقة مبكرة بالخطوط
بدأت علاقة عثمان طه بالخط العربي في وقت مبكر من عمره على شكل تساؤلات صغيرة، فمن خلال اطلاعه على الكتب الموجودة في مكتبة والده لاحظ أن هناك اختلافاً بين بعض الكتب والمخطوطات في طريقة الكتابة، ما دفعه إلى سؤال والده عن السر في ذلك، إلا أن والده لم يعطه إجابة تشبع فضوله، إذ لم يزده على قوله: هذه أنواع للخط العربي، والخطاطون يعرفونها، ولكننا بإمكاننا قراءتها جميعاً على اختلافها.
وهنا تحولت تلك التساؤلات وذلك الانبهار إلى محاولات للمحاكاة، فعكف عثمان في غرفة منزوية يحاول تقليد الخطوط الموجودة في مكتبة والده، ولما رأى والده إكثاره من ذلك قال له: يا بني اهتم بدراستك أولاً، واجعل الخط هواية لك، ولكن هذا لم يؤثر عليه، إذ وجده يقضي أكثر وقته في الخط، فقال له مستغرباً من حاله: «يا بني يعني تريد أن تصبح خطاطاً، وتكتب مصحفاً مثل حافظ عثمان؟ وهو خطاط مشهور، وكان مصحفه يطبع في الكثير من البلاد العربية والإسلامية»، فكان لهذا الكلام أثر كبير في نفسه، وزاد تعلقه ونظره بالمصاحف المطبوعة المختلفة.

  • عثمان طه.. نصف قرن من كتابة المصحف

 

أول مصحف
كتب عثمان أول مصحف في عام 1970 لوزارة الأوقاف السورية، وفي عام 1988 انتقل للمملكة العربية السعودية، وعين خطاطاً في مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة، وكاتباً لمصاحف المدينة.

وقف لله
في طبعة خاصة للهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، طبع مركز محمد بن راشد لطباعة المصحف الشريف، نسخة بخط عثمان طه وقفاً لله تعالى عن روح المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه.
يعد المركز الأول من نوعه على مستوى العالم في تقديـم خدمـات طباعة المصحف الشريف ونشره بكافة الخطوط والقراءات المعروفة إلى جميع البلاد الإسلامية، ويعمل بطاقة إنتاجية تصل إلى 6 ملايين مصحف سنوياً، ويتم العمل لتطويره لطباعة 15 مليون مصحف سنوياً.
ويضم المركز لجنة شرعية متخصصة تضم العديد من علماء قراءات القرآن الكريم ومن مهامها الرئيسة متابعة ومراقبة جميع مراحل طباعة المصحف الشريف ابتداءً من مرحلة التخطيط والتحضير الطباعي إلى مرحلة الطباعة إلى مرحلة الخياطة والتجميع إضافة إلى التدقيق النهائي قبل التسليم.