علي العبدان *

إنَّ أولَ مَن عُرفَ عنهُ الغناءُ الطرَبيّ في الإمارات في التاريخ المُعاصِر، أو في القرن العشرين هو الفنان يوسف نقي من إمارة رأس الخيمة، في أواخِر الثلاثينيات من القرن الماضي، كما أنه أولُ مَن عُرفَ عنهُ الغناءُ في الإمارات مع العزفِ على آلةِ العُود، ولهذا يُعد نقي رائداً في احتراف الطرب الشعبيّ بالإمارات، ومع ذلك لم تسنح له فرصة لتسجيل غنائه على أسطوانةٍ تجارية.
وكان علينا أن ننتظرَ قرابة عقدٍ من الزمان، وتحديداً عامَ 1950 لنشهد تسجيل، وطباعة، وتوزيع أول أسطوانةٍ غنائيةٍ إماراتية، للرائد الثاني، وهو الفنان حارب حسن، ثم تلا ذلك تسجيل أسطواناتٍ كثيرةٍ لمطربين آخرين من الإمارات، مثل فنان دبيّ محمد عبد السلام، والفنانة موزة سعيد، وغيرهما.
وهنا رضٌ لبعض تفاصيل الحكاية.

الفنان حارب حسن
أحب حارب حسن منذ صِغرهِ التغنّي بألحان بعض الفنون الشعبية الإماراتية مثل فن «الونّه»، و«السَّيْع /‏‏ السجْع» خاصةً، لكن حارب حسن الذي وُلِد في منتصف العشرينيات من القرن الماضي أحب أيضاً في صِباه الغناءَ المحترف الذي سمعه، ورأى أداءَه الحَيَّ بالعزف على العود لأول مرةٍ من المطرب الإماراتيّ سابق الذكر يوسف نقي في بلدته الجزيرة الحمراء، كما أُتيحَ لحارب حسن الاستماع إلى الغناء المحترف المُسجَّل على آلة «الفونوغراف /‏‏ Phonograph» من بعض الأسطوانات قديمة الشكل «Cylinder records» في مدينة خورفكان، وفي عام 1946 سافر حارب إلى البحرين للعمل هناك، وكانت البحرين يومئذٍ قِبلةً لهواة الطرب لكثرة محالّ التسجيل الفنيّ فيها، وهناك توفرت ظروفٌ مناسبةٌ لحارب حسن كي يتعلمَ أصول العزف على آلة العود، والغناء على مختلف القوالب الغنائية التي كانت مرغوبةً في عموم مناطق الخليج في تلك الحقبة، مثل الأصوات الخليجية، والأدوار اليمنية، والبستات البحرينية، والمواويل، وغيرها، حتى انتهى به المطاف إلى تسجيل أولى أسطواناته، فكيف كان ذلك؟
في أواخر الأربعينيات أخذ حارب حسن في التعرف إلى كبار الفنانين في البحرين ليستفيد منهم، لكنّ واحداً منهم فقط هو الذي كان له الفضل في الأخذ بيده إلى عالم الغناء المحترف، وتسجيل الأسطوانات، وهو الفنان محمد راشد الرفاعي، الذي يسّرَ لحارب فهمَ التلحين على مختلف قوالب الغناء، وفهم ما يتناسب من الألحان وإيقاعاتها، وبناءً على ذلك أخذ حارب في محاولة التلحين بنفسه، ولو باقتباس ألحانٍ من الأغاني المشهورة في تلك الأيام، وكان لديه قصيدتان من الشعر الشعبي الإماراتي، الأولى قصيدة الشاعر ماجد النعيمي «يا حبيب القلب عذبت الحشا»، والقصيدة الثانية للشاعر سالم الجَمري «لعى الجَمري على فرقا ضنينه»، فكان حارب يترنّمُ مُلحِّناً هذا الشعرَ الإماراتيَّ ببعض الألحان المعروفة آنذاك وهو يعزفُ على العود، وكانت هذه المحاولة المتواضعة في تلحين الأغنيتيْن المذكورتيْن هي البوابة التي دخل منها الشعرُ الشعبي الإماراتي إلى عالَم الطرَب المحترَف، إذ شرَع حارب بعد ذلك في تأسيس الأغنية الإماراتية استعانةً بعاملٍ رئيسٍ ومؤثر، هو الشعر الشعبيّ الإماراتي.
الأسطوانة الأولى
جاءت مناسبةٌ مهمّةٌ حين اقترح محمد راشد الرفاعي على صديقه حارب حسن أن يُسجل أغانيَه على أسطوانات، ووعدَه أن يُكلمَ لهُ إسحاق كرجي، وهو رجلٌ جاء إلى البحرين في أواخر الأربعينيات ليفتتح شركةً لتسجيل وبيع الأسطوانات الغنائية سمّاها «كرجي فون»، والمهم أن إسحاق كرجي حين التقى حارب حسن بواسطة الرفاعي سأله عمّا لديه من أغانٍ، فقال له حارب إن لديه الأغنيتين سالفتي الذكر، وبعد أن سمعهما كرجي وافق على التسجيل، واعداً حارب حسن بإعطائه مبلغ ثلاثين روبية عن كل أسطوانة.
وعن هذا الاتفاق يقول حارب حسن: «قال لي سأعطيك ثلاثين روبية عن كل أسطوانة، وزمان كان الروبية لها شأن، كان العامل يعمل من تطلع الشمس لين تسلم يأخذ روبيتين»، وهكذا سجّل حارب حسن أسطوانتيه الأولَيَيْن في أوائل سنة 1950 تقريباً، وكان التسجيل على مصفوفة «فينيل»، قُطرُها 25 سم، بإبرة زفير ساخنة، قُطرُها 0.28 مم، ووزنُها 3.5 غرام، وأُرسلت المصفوفات إلى فرع شركة «غراموفون» العالمية في بومبي للتحميض والطبع.
وجاءت الأسطوانة الأولى بعد نحو شهرين من الهند، وهي أسطوانة «يا حبيب القلب عذبت الحشا»، وانتشرت في الأسواق وبين الناس، ثم تلتها الأسطوانة الثانية «لعى الجَمري على فرقا ضنينه» التي تأخرت في الوصول عن الأولى، لكنها لم تقل عنها شهرةً وانتشاراً، وبعد مرور مدةٍ على انتشار الأسطوانتين واشتهارهما، وطبع المزيد من النسخ عنهما، طلب السيد يوسف الخاجة صاحب شركة «أسطوانات دبي فون» من حارب حسن تسجيل أغنية «يا حبيب القلب» مرةً أخرى لصالح شركته، وبعد نظرٍ وتفاهمٍ حول الحقوق قرّر حارب حسن إعادة تسجيل الأغنية، وأخذ هذه المرة مائة روبية عن تسجيل الأغنية، وقد سجل حارب هذه الأغنية ذاتها مراتٍ عدةً لأكثر من شركة تسجيل، فقد كانت الأغنية مطلوبة، وخلال ذلك كان حارب قد لحّنها ألحاناً عدة، ذلك مع أنه كان ما يزال هاوياً حينها، لكن تجربة التسجيل هذه ستفتحُ له بوابة الاحتراف في المستقبل.
وبعد أن اشتهرت أسطوانات حارب حسن في البحرين والخليج عموماً، وفي الإمارات خاصةً، أخذ الشعراء الإماراتيون مثل سالم الجمري، وسعيد بن عمير، وغيرهما في إرسال قصائدهم إلى حارب من أجل تلحينها وتسجيلها، كما كان حارب يختار بنفسه بعض القصائد لشعراء سابقين من الإمارات، مثل ابنة الماجدي بن ظاهر، ومحمد المطروشي، وغيرهما، وهذه المرحلة مهمةٌ جداً لأنها رسّخت سُمعة حارب حسن بين الشعراء الإماراتيين كمطربٍ إماراتيٍّ محترِف، وكفنانٍ رائدٍ في الطرب الشعبيّ من الإمارات، كما أنها صبغت كاملَ تجربتهِ في هذا السياق، وهي التجربة الأولى في خلق ما سُمّيَ لاحقاً بالأغنية الإماراتية حيث أرْسَت هذه التجربة الملامحَ الأولى لتلك الأغنية.

أسطوانات «دبي فون»
لم يبدأ نشاط التسجيل الفنيّ التجاريّ في الإمارات إلا في عام 1952 مع شركة «دبي فون»، وتفاصيل ذلك تعود إلى أواخر الأربعينيات حين قام كلٌ من الوجيهيْن السيد يوسف أحراري الخاجة، وابن عمّه السيد زينل أحراري الخاجة بافتتاح محلٍّ لبيع الأسطوانات التجارية في منطقة ديرة بإمارة دبي، ثم أصبح المحل شركةً لإنتاج الأسطوانات بدلاً من الاكتفاء باستيرادها وتوزيعها، ومن هنا أصبحت شركة «دبي فون» أولَ شركةٍ وطنيةٍ لإصدار التسجيلات الفنية في دبي والإمارات، ولما كانت شركة «دبي فون» لا تملك آلة تسجيل ولا مصفوفات، كان لا بد من السفر إلى الهند، حيث يوجد فرع الشركة الإنجليزية «غراموفون» في بومبي، وهكذا سافر كلٌ من يوسف الخاجة، وابنُ عمه زينل إلى مدينة بومباي عام 1952 من أجل تسجيل أسطواناتٍ تجاريةٍ خاصةٍ بشركتهما، مصطحبين معهما مجموعةً من المطربين والموسيقيين، منهم الفنان الإماراتي محمد عبد السلام الشهير بلقب «مطرب الحَيّ»، وفي بومبي قام أصحاب شركة «دبي فون» بشراء مصفوفاتٍ من شركة «غراموفون» فرع الهند لتسجيل الأغاني عليها، ثم تحميضها وطبعها على أسطوانات في الشركة ذاتها، وكانت تلك المصفوفات من نوع «فينيل»، وقُطرُ الواحدة 25 سم، طبعت بواسطة إبرة زفير باردة قُطرُها 0.28 مم، ووزنُها 3 غرام، وكان السيد يوسف الخاجة يقوم أحياناً بإلقاء التقديم في أول الأسطوانة بصوته، فيقول مثلاً: «أسطوانات دبي فون.. مطرب الحيّ محمد عبد السلام»، وقد سجل الفنان محمد عبد السلام أغانيَ عدة في تلك الرحلة في شهر يونيو، منها «قلبك حجر لو حديد»، وهي قصيدةٌ لشاعر دبي مبارك بن حمد العقيلي، وتعتبرُ أسطواناته تلك أولى الأسطوانات الحجرية التي تنتجها شركةٌ وطنيةٌ إماراتية.

هواية الغناء
في البحرين قديماً كان الكثير من أبناء الإمارات استقروا وكان بعضهم دخل عالم الطرب الشعبيّ وتسجيل الأسطوانات كما فعل حارب حسن، وأولُ هؤلاء الفنانة موزة سعيد التي سجلت العديد من الأغاني الخليجية والعربية المعروفة في تلك الحقبة على أسطواناتٍ حجرية، منها الأغنية اليمنية الشهيرة «سألت العين حبيبي فين»، وغيرها، كما قام مطربون آخرون بتسجيل بعض الأسطوانات الحجرية، ولكنهم لم يشتهروا شهرة حارب حسن وموزة سعيد، ولم يستمروا كذلك بما فيه الكفاية لتأسيس أسلوبٍ خاص بهم، ومن أولئك المطربين رجلٌ لقبُهُ «مطرب دبي»، ومن أسطواناته أغنية «يا عاذلين القلب» من إنتاج شركة «كرجي فون» برقم: G/‏‏‏S 11، ومنهم مطربةٌ لقبُها «فتاة الشارقة»، لكنني لم أقف على أية أسطوانةٍ لها، وقد يكون هناك غيرهما، ولكن على أية حال تبدو لي تسجيلات هؤلاء مجرد تجارب في هواية الغناء أكثرَ من كونها تسجيلاتٍ لمُطربين محترفين، فهؤلاء لا يُقاسوا بالفنان حارب حسن الذي قام بتأسيس منحىً شبه مستقل للأغنية الإماراتية، وبترسيخ هُويّتِها عبرَ انتقاء القصائد الإماراتية لها، ولا حتى بتجربة الفنانة موزة سعيد التي استمرت حتى أدركت التسجيل التلفزيوني.