إبراهيم الملا

لولا فن «الويلية» المنتشر في الساحل الشرقي بالإمارات لانقرض شعر «الطرايق» ولتلاشى تماماً من الذاكرة الشعبية المحلية، ولتبخرّت مواويله العذبة في سديم المجهول، لكن المحيّر في الأمر بحسب عدد من المهتمين بالظواهر التراثية المحلية أن «الويلية» نفسه مهدد بالاندثار أيضاً، لأن الجيل الجديد من الشباب لم يعد مهتماً به، والمؤدين الذين ما زالوا يمارسونه اليوم من كبار السن، ومن الجيل القديم الذي توارثه هذا الفن، قبل أن ينقطع «حبل الوصل» معه، فبات يصارع وحيداً من أجل البقاء واستمراره كموروث ثقافي وكمظهر فلكلوري تراثي مهم ولا غنى عنه، ولا يمكن تركه هكذا لمهبّ المصادفات والتمنيات والتواجد العشوائي في مناسبات معينة قد تهمله أو تتجاهله يوماً ما، فيصير أثراً بعد عين، ويصبح ذكرى تتهادى في عتمة النسيان.

مصطلح «الويلية» مشتق من كلمة «الويل»، الذي يتضمن معاني الفراق والشجن واللوعة والاشتياق وغيرها من المعاني المرتبطة بالرجاء والرغبة في الخلاص من الهمّ والألم الداخلي بسبب غياب المحبوب أو ضيق الحال، أو غيرها من مشاعر الأسى والكدر بحمولاتها الذاتية أو بتلك المرتبطة بالشأن العام والظروف الصعبة المحيطة بالمكان.

تتمايل الأجساد في عروض «الويلية» وتصفق الأكفّ، فتتمايل معها القلوب، وتصفق في معيّتها الأرواح، ويتشكّل الطقس الشعبي «للهوى» استناداً على شعر «الطرائق» بما يتضمنه من مساجلات وردود بين صفين متقابلين من الرجال يتوسطهما عازفو الطبول أو المتحكمون بالإيقاع، لتتوهج الكلمات بعدها وتتعلّى في فضاء جامح ورنّان، ويصبح الارتجال الشعري هو سيد هذا الطقس الاحتفالي ومالكه والمتحكّم فيه، مرتشفاً في الغالب ماء الحكمة، ودفق المناجاة، وطراوة الشجن، مستحضراً صورة المحبوب للتغنّي بخصاله وتذكّر أوصافه ضمن مناخ سمعي فائض بالوجد والهيام والتمنّي، بحيث يكون «الأبو» أو قائد الإيقاع الشعري هو المتحكم في التحولات اللحنية هبوطاً وصعوداً، وخفة وثقلاً، وشرحاً واختزالاً، حتى تنتهي نتيجة الاحتدام الشعري والإيقاعي هذا إلى فوز أحد الصفّين أو هزيمتهما معاً أو تعادلهما، مع احتفاظ الكل ومعهم الحضور بالمتعة والبهجة عند انتهاء الحفل بالرغم من ورود أشعار قد تنحو باتجاه مغاير لمعاني الفرح، ولكنها في العموم لا تخلو من حس التفاؤل والرغبة في استجلاب عاطفة المحبوب واستمالته والتخفيف من أثر غيابه ولوعة فقده.
وتسعى هيئات ومؤسسات حكومية مهتمة بالتراث المحلي مثل جمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية، وهيئة الشارقة للتراث، وغيرها من المؤسسات المعنية بالحفاظ على ملامح الهوية الوطنية وتراثها الغني، إلى الاعتناء بهذا الفن الشعري وإحيائه ونشره بين أوساط الجيل الجديد، والسعي كذلك إلى إدراج «فن الطرايق» في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو».
................
ولكن ما هو شعر «الطرايق» ولماذا أطلق عليه هذا الاسم حصراً، وما هي منابعه وأصوله وكيف انتشر قديماً في الساحل الشرقي بالإمارات تحديداً، وهو الساحل الممتد من دبا إلى الفجيرة وحتى خورفكان وصولاً إلى كلباء، وكذلك في بعض المناطق الجبلية برأس الخيمة ودبا البيعة؟
يجيبنا عن هذه التساؤلات عبدالله خلفان الهامور الباحث في التراث الشعبي، مشيراً إلى أن بدايات ظهور فن «الطرايق» تعود إلى ثلاثمائة عام تقريباً، وأن شعراء الساحل الشرقي تميزوا بهذا اللون الشعري الخاص، ومن أسمائه الأخرى «المسبّع» وفي ثقافات عربية وخليجية أخرى يسمى «الزهيري»، مضيفاً أن أسلوب «الطرايق» ارتبط بفن الويلية المشهور في المنطقة الشرقية بالإمارات وفي المناطق الساحلية بسلطنة عُمان.
وأوضح أنّ محبّي ومتابعي شعر «الطرايق» من أهالي المنطقة الشرقية يشترطون فيه أن يكون: «فيه غزر» وتعني باللهجة المحلية أن يكون شعراً متوفراً على العمق والاكتناز والاحتشاد، فالكلمات البسيطة واليومية المتداولة والخالية من الإيحاء والرمز والتصاوير القوية والتأليف المحكم والسبك المتناسق والتورية والإبهام واللمح لا تمنح شرعية أو مسوغا أدبيا لهذا الفن الإبداعي تحديداً.
ونوّه الهامور إلى أن جده الشاعر سيف بن خلفان الهامور كان حكماً وكان يفصل بين الشعراء إذا اختلفوا على كلمة أو معنى أو بيت أو شطر أو طريقة معينة في القصيدة، وأوعز الهامور غياب معظم قصيد «الطرايق» إلى غياب الموثقين والخطاطين، وندرة وسائل التدوين في تلك الأزمان البعيدة، واعتبر الهامور أن «الطرايق» والذي يسمى الشطر الواحد فيها «طِريقة» - بكسر الطاء، تتشابه بشكل ما مع فنون أخرى مثل «الزهيريات» في العراق والكويت والسعودية، ومع «الموال» في البحرين وفي بلاد الشام ومصر، مضيفاً أن اللهجة الخاصة بكل منطقة واستثمار هذا الشعر في الفنون الأدائية الخاصة بها هو الذي يصنع الفارق هنا.
وقال، إن فن «المسبّع» المكون من سبعة أشطر، هو أشهر أنواع شعر «الطرايق» ويأتي بعده المسدوس والمخموس، مضيفاً أن «المسبّع» اشتهر أكثر في القرى والمناطق الساحلية التابعة لإمارة الفجيرة والممتدة لأكثر من سبعين كيلو مترا، فأصبحت هذه المناطق مركزاً ومنطلقاً لفن «المسبّع» وكان له الحضور الأكثر كثافة وتوهجاً مقارنة بالمناطق الأخرى، والأمر ينطبق كذلك على اللون الغنائي والأدائي أو الفلكلور الشعبي الذي ارتبط بشكل وثيق مع فن «المسبّع»، ونقصد به هنا - كما أشار الهامور - فن الدان الذي تتفرع منه فنون أخرى أهمها فن «الويلية» ثم «المعاريس»، ثم ما يسميه الأهالي هنا «فنون»، مؤكداً أن فن «الويلية» يعتبر من أركان وأصول فن «الدان».
وأورد الهامور ملاحظة مهمة وهي أن فن «المسبّع» لا يطلق عليه المهتمون به في المنطقة الشرقية مسمى «قصيدة»، ولكن يسمونه «طِريقة»، لأن القصيدة معناها لديهم هو الشعر النبطي العمودي أو على غرار الشعر العربي وبحوره، بينما «المسبّع» يعتمد على هيكلية (3 - 3 - 1)، أي أنه يتكون من سبعة أشطر وكل شطر ينتهي بقافية معيّنة أو «حرف روي» متشابه في الأشطر الثلاثة الأولى، وقافية مغايرة في الأشطر الثلاثة التالية، أما الشطر السابع والأخير، فينتهي بقافية مشابهة للأشطر الثلاثة الأولى، وهو ما يسمي بالمسبّع المفتوح، أما إذا كانت القوافي تأتي برسم الكلمة المتماثلة والمتشابهة تماماً مع اختلاف معنى الكلمة حسب السياق، فإن «المسبّع» يطلق عليه في الحالة: «المسبّع المحبوك»، وهو النوع الأصعب لأنه يحتاج لمخيلة خصبة وقدرة استثنائية استحضار القافية المناسبة، والربط بين المعاني والصور في أضيق نطاق ممكن من خلال سبك محكم يحمل معه دلالات عميقة، تعبّر بصدق عن ملكات الشاعر وموهبته وتمكّنه، ومن هنا يأتي تميز شعراء «الطرايق» مقارنة بأصحاب الأنواع الشعرية الأخرى.
والمسبّع عموماً - كما يوضح الهامور - يتناول أغراضاً شعرية متنوعة مثل المدح والذم والغزل والتحسيف المشتق من المفردة الشعبية «الحسافة»، وهو بديل كلمة «الرثاء».
وأشار إلى أن الصعوبة الأخرى أو التحدي الأكبر الذي يواجهه شاعر (الطرايق) هو ضرورة أن يقدم الشطر الأخير أو «القفلة» كما يطلق عليه، ملخصاً يختزل كل الأشطر السابقة، بحيث تكون الخاتمة هي الإشارة النهائية الدالّة تماماً على فحوى ومغزى ومراد ما احتوته الأشطر السابقة كلها، والشطر الأخير إما أن يتكون من خمس كلمات أو ست كلمات صحيحة، بحيث لا يتم احتساب كلمات الإشارة وظرف الزمان والمكان مثل: من، أو إلى، أو على وغيرها.
ومثال على ذلك شعر عبدالله الهامور نفسه من «المسبع المحبوك» الذي يقول فيه:

من قال من حبّكم من قال كفّينا
وحنّا عذاك العهد حنّا وكفّينا
واليوم نبغي العذر ما كان كفّينا
نبغي العذر منكم خل الزعل تركه
وإلاّ ملكت الحسن قلت الحسن تركه
مسكين راعي الهوى لي من هواه تركه
ينوح طول الزمن رافع بكفيّنا
ومن شعر الهامور من المسبع المفتوح التالي:
يا ريم حَنّ القلب وإنته بعد حنّي
هذا فوادٍ يزر من كثر ما ونّي
لا تحرمون القلب من شوفكم عنّي
ليكم بنزرع وقت كان الوقت ما سدّ
وبنمد ليكم درب، من وصلكم لابدّ
أمشي وحالي نحل باغي لحالي
ردّ شادي فوادي من البعد وأقول بالثنّي.

وعن الشعراء الذين اشتهروا بهذا النوع من الفن الإبداعي المتميز ببنيته الشكلية والجمالية والذي يحمل خصوصية بيئية وثقافية مرتبطة بمكان وزمن إنتاجه، أوضح الهامور أن شعر «الطرايق» ارتبط بعدة عوائل ورثت هذا الفن لأبنائها، مثل: عائلة سيف بن خلفان الهامور، وعائلة بن فرحان في منطقة مربح، وعائلة القصّاب في منطقة القريّة، وعائلة بن حميد في مدينة الفجيرة.
ومن الأسماء المنفردة في هذا المجال: سيف بن خلفان الهامور، وخميس القاضي، وراشد القصاب، وعبيد دريدر، ومحمد بن فرحان، وعيسى بن داغر، وعبيد المسلم، وخميس الفحاح من منطقة الوليه، وإبراهيم بن حمدان من منطقة خورفكان، ومن الجيل الحديث: عبدالله خلفان الهامور، ومحمد عبيد الكعبي، وفيصل المريخي من خورفكان.

غناء على إيقاع التعب
الشعراء في المنطقة الشرقية كانوا قديماً ينشدون شعر «الطرايق» أثناء عودتهم من البحر، أو أثناء عملهم في المزارع أو ما يسمى بمهنة «البيدار»، وفي كثير من الأحيان أثناء عملهم في مهنة «اليازرة» أو استنباط الماء والسقي، فهؤلاء كانوا يسلون أنفسهم بتأليف شعر الطرايق وتزجية الوقت في التغني به على إيقاع التعب، ولنسيان ما هم فيه من جهد بدني يحتاج لشحنة من العاطفة الذاتية والابتكار الذهني والتوصيف الجمالي الذي يقاومون به قسوة العمل وانهاك الجسد.
ويقال عن الشاعر في حينها إنه: «يونّ» بهذه الأشعار، ولك أن تتخيل المعنى القابع خلف هذه المفردة الشعبية المشتقة من الأنين وكيف أنها تحفر في الذات العاشقة والولهى كي تصل لشغاف القلب كي تدميه بالمواجع والاستدراكات المحزنة، وكي تسلوه أيضاً بالآمال للتخلص من هذه الأحزان، والشفاء من أسقامها وجراحاتها.

حنظل مرّ
زارع وليدي وثمر يا ناس حنظل مرّ
إكثير فالناس فيه المعروف ما يثمر
يثمر في ناسٍ وناس فيها ولا يثمر
من كان تبغي حبيبك صابحه وزوره
عقبك رماني الدهر بأيام وعصوره
ألعي عطول الزمن ما شفت لك صوره
العطشان يورد كذا والرويان يستعمر
...........................للشاعر: سيف بن خلفان الهامور
(الجيل القديم)

فالدار
موصوف فالدار بشرٍ من بني مالك
عثره على الوصف يو ستار يو مالك
تبريقته تبري الميهود الذي هالك
ليمن مشى بالقدم عالأرض ما رسّم
وليمن تبسم تراه صم الحصى رسّم
عندي يساوي الحسا وبرور بني مالك
...........................
الشاعر: راشد القصاب
(الجيل القديم)

مراكب صفر
البحر ما ينقضى من قو موي ٍ فيه
طبّع مراكب صفر من قو باسٍ فيه
وقول الشعر عندنا المخلوق ما يقصيه
البحر سلطان وكلها الناس تدرابه
مركب (ع) زي الهوى وكد ياك دولابه
وكلن بمسعاه وكلن عاش بسبابه
كد شاب حال الطفل من قو مويٍ فيه
...........................
الشاعر: خلفان بن سيف الهامور
(الجيل القديم)

باكي الزمن
أبكيت باكي الزمن والزين بكاني
كني هشيم الحطب فالسيح خلاني
لامن وقر شلّني ولا منّه وراني
قضقض فوادي عليّ والروح بتسيحي
كني عموقد غضى كل ما تهب ريحي
واللهِ لو ما الوفا بالسد لا بيحي
موراه قلبي إستوى من يوم خلاّني
...........................
الشاعر: عبدالله خلفان الهامور
(الجيل الجديد)