الجمعة 27 يناير 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

السياحة الثقافية.. مرآة للحوار الحضاري

السياحة الثقافية.. مرآة للحوار الحضاري
26 يناير 2023 00:58

نوف الموسى

قراءة مفهوم السياحة الثقافية طرحت العديد من الأسئلة الجوهرية، حول مدى إدراك الناس لتجاربهم الشخصية مع تاريخ الأمكنة والحضارات المتعددة، وكيف استطاعت المساحات المعرفية العامة، بأبعادها المتحفية، وعفوية أسواقها الشعبية، وامتداد بيئة مناظرها الطبيعية، وعمق أدبياتها، وموسيقاها، وأغانيها الفلكلورية، وإيقاعات أحاديث أهلها الجانبية، وهم يرتدون لباسهم الوطني، وعمارة بيوتهم القديمة، وذاكرتهم التي يحملونها في طرق الترحاب والضيافة والانفتاح، وأسلوب الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، من عادات وتقاليد وقيم إنسانية، أن تتيح أكبر مساحة ممكنة للحوار الحضاري في التجربة الإنسانية، فالسياحة الثقافية في مكنونها الأصيل، إنما هي مرآة المجتمع المحلي التي تعكس فيه للعالم فُرص التعرف على الآخر، واكتشاف الاختلاف والتنوع، وقبوله بوصفه ثراء وتعددية جمالية، لما يمكن أن ينجزه الإنسان في مختلف دول العالم، ويبني من خلاله إمكانية فهم المشترك، على مستوى الإبداع الشعوري والحسيّ، وتحويله إلى لغة قابلة للتواصل والوعي والتطور. فلا يُمكن أن يزور الإنسان بقعة جديدة على كوكب الأرض، إلا وتهديه مفاتيح أبوابها وأسرارها، ليس فقط عبر القطع الأثرية المكتشفة، وإنما في سلسلة متصلة لتفاعل كل بلد مع تجربته الثقافية عبر التاريخ، بكل ولاداتها وإرهاصاتها، وصولاً إلى تحدياتها وفرصها الراهنة، ومن أبرزها معطيات السياحة الثقافية في عصر التكنولوجيا الرقمية.

في رحلة «الاتحاد الثقافي»، للاطلاع على تجربة السياحة الثقافية في دولة الإمارات، كان لابد من التفكير في المسارات المختلفة والداعمة لبناء منظومة معرفية متكاملة، والقائمة على القيم الإنسانية المُثلى، التي شكلت جزءاً رئيسياً من الاستراتيجية الوطنية لدولة الإمارات العربية المتحدة، وأبرزها تعزيز قيمة المجتمع المتعدد، والاشتغال العلمي لتوثيق الموروث المادي والشفهي في المحافل والمنظمات الرسمية، وصيانة المعالم التراثية والهوية المعمارية، وفق قوانين تكفل ملكيتها الثقافية والاجتماعية، إلى جانب بنى تحتية مستدامة في نموها، مع التوسع المستمر للمدن، حيث تربطها شبكة من المقاصد الثقافية والترفيهية ببعديها التراثي والمعاصر على مستوى الدولة، وجميعها ركائز تدعم حضور السائح، وتحفز لرسم مسار سياحي ثقافي واضح، يهيئ المجتمع المحلي من إماراتيين ومقيمين، للمشاركة المجتمعية في دعم الحراك الثقافي سياحياً. ومن هنا جاءت التساؤلات النوعية للمختصين وأصحاب التجارب والخبرة الميدانية، حول مكونات السياحة الثقافية اللوجستية، وأثر نشأة مراكز ومقاصد فنية في مدينة دبي نموذجاً، وكيف تؤثر مجتمعات المناطق الريفية، في كونها امتداداً حيّاً ومباشراً لأثر البيئة الطبيعية سواء في المناطق الجبلية أو البحرية أو الزراعية أو الصحراوية، على تطور عجلة السياحة الثقافية، باعتبارها ممارسة مجتمعية، وتمتلك مساهمة مباشرة في الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات.

بيئات تفاعلية
وحول التفكير بمسار السائح وتجربته في البيئات الثقافية، أكد ناصر جمعة بن سليمان، مختص في إدارة المواقع التراثية، أن بناء آليات لوجستية متكاملة لدعم المشروعات السياحية الثقافية ببعدها التراثي، يتطلب تضافراً جماعياً لجهود فرق العمل من مختلف الجهات والمؤسسات الحكومية المحلية: «نحن نتحدث عن الطرق والشوارع المؤدية للمقصد الثقافي، وكذلك مواقف السيارات ووسائل النقل العام، ومجالس استقبال الضيوف، إنها حياة يومية كاملة، تُبنى بشكل تراكمي وتدريجي، فأنت في البداية تفهم الموقع التراثي، وتدرس أثره التاريخي على المنطقة، وتبحث في الفرص والتحديات، خاصةً أننا وسط عالم متسارع من المتغيرات، وبذلك فإن الموقع التراثي قد يتراءى للكثيرين بأنه ثابت، ولكنه في التجربة الثقافية يعتبر متغيراً، أيّ على مستوى وعي السائح للمكان، فإن كل شخص يراه بشكل مختلف وفق زمن معين لوقت زيارته، فهناك الكثير من المواقع شهدت عمليات إعادة ترميم، وهو جزء مهم للحفاظ على سيرورة وجودها، وبالتالي فإن الأمكنة الثقافية هي بيئات حيّة تفاعلية، قادرة على أن تتواصل مع الوعي اللحظي للسائح».
شهدت مدينة دبي تطوراً ملحوظاً في تطوير المواقع الثقافية، ببعدها التراثي مثل «حيّ الفهيدي التاريخي»، و«حيّ الشندغة»، وببعدها المعاصر مثل «متحف المستقبل» و«دبي أوبرا» وغيرها من المقاصد الثقافية والترفيهية. ويبيّن ناصر جمعة بن سليمان أن المرشد السياحي اليوم هو الواجهة الرئيسية لمرويات المكان وقصصه التاريخية، والرهان يقع على المقدرة الإبداعية للمرشد على نسج العلاقة بين السائح والمكان، وتعزيز مفهوم التجربة الثقافية، غير مكتفٍ بإعطاء المعلومات وتصحيحها، بل يقدم شعوراً حقيقياً لهذه الأمكنة. 
وتابع ناصر جمعة: «الاهتمام بالشراكة الاستراتيجية مع الشركات السياحية، وتدريب وتأهيل المرشدين السياحيين، هو النقطة الفاصلة في النقلة التي يمكن تحقيقها في ثقافة السياحة أو سياحة الثقافة، فكلاهما يعبر عن طرق التفكير لمضامين الوعي بأهمية التجربة الإنسانية في السياحة المحلية، فأنت بمجرد أن تسرد قصة المكان، وترسم عنه مئات الحيوات في مخيلة السائح، فأنت بالتأكيد تعمل على إحيائه».

السياحة الفنية
أما أكثر ما استوقف الفنان التشكيلي خليل عبدالواحد، فإمكانية التمييز بين مفهوم «السياحة الثقافية»، و«السياحة الفنية»، إن جاز التعبير،  موضحاً أنه يميل أكثر إلى اعتبار الفنون بمثابة مسار تخصصي في منظومة السياحة الثقافية ككل، كون الفنون في دولة الإمارات تحتمل بعدين رئيسين، أولهما أن هناك مواقع ومشاريع فنية تحتمل البعد المعرفي الثقافي والتجاري معاً، وفي المقابل هناك أيضاً مواقع فنية هدفها الأساسي المعرفة، دون مردود تجاري مباشر. ويسرد الفنان خليل العديد من الأمثلة، من بينها «آرت دبي» المتضمن للشق التجاري، من خلال عمليات اقتناء الأعمال الفنية، والشق المعرفي المرتبط بالورش والندوات والنقاشات الفنية، بينما في «بينالي الشارقة»، نجد أن التركيز بشكل جليّ على البعد المعرفي والوعي المجتمعي والثقافي عبر الفنون، وبذلك تتاح للزائر الداخلي والسائح القادم إلى الإمارات، خيارات مختلفة وفقاً لاهتماماته. ويوضح الفنان خليل أن الفنون بطبيعتها قادرة على تعزيز مكانة السياحة الثقافية، كونها تصنع حالة تفاعلية مع الأمكنة، وتسوق بشكل غير مباشر الأبعاد الثقافية للمدينة، مقدماً مثالاً لمتحف الفن المعاصر «غوغنهايم بلباو»، في إسبانيا، فالمتابع يلاحظ كيف أن الزوار يتوافدون على الموقع نتيجة العمارة اللافتة والمدهشة للمتحف، إذ إن فنيات التصميم ساهمت في جذب السياح للموقع الثقافي.

إبداعات شبابية
من التجارب النوعية، فيما يتعلق بالسياحة الثقافية، في المناطق الريفية الطبيعية، فعالية «ليالي حتا الثقافية» نموذجاً، التي تضمنت  فعاليات ثقافية وتراثية وموسيقية ومسرحية في منطقة حتا، ما يطرح الأسئلة حول خصوصية البيئة الطبيعية وأثرها في تجربة السائح في دولة الإمارات، وحول ذلك قالت ليلى بالهوش مدير مشروع ليالي حتا الثقافية، إن جمالية حضور الفعل الثقافي في منطقة حتا، أنها نابعة من أصالة أهل حتا أنفسهم، موضحةً أن الفعالية تحولت فعلياً إلى منصة لاكتشاف الاهتمامات الثقافية لأهل المنطقة، ومنها الإقبال اللافت على العروض المسرحية، حيث طلب الجمهور إمكانية أن تقام مجدداً في مناسبات قادمة، ما يقدم لهم مؤشراً مهماً حول حضور الفعل الثقافي المسرحي، في مجتمع حتا. وأضافت ليلى بالهوش، أن «ليالي حتا الثقافية» ساهمت في تقديم إبداعات شبابية، من خلال مشاركة المتطوعين، الذين عبروا عن إمكاناتهم ورغبتهم في أن يكونوا جزءاً من أي حدث يخدم منطقتهم، وبذلك تكون السياحة الثقافية مُساهماً فاعلاً في التطوير المعرفي لأهالي المنطقة في كيفية إدارة المشاريع الثقافية وآلية عملها.
وأشارت ليلى بالهوش، إلى أن فعالية «ليالي حتا الثقافية» تضمنت ورشاً تعليمية في مختلف التخصصات الثقافية والتراثية والترفيهية، ما يجعل الحدث بمثابة مساحة لاكتشاف الموهوبين، وتطوير مهاراتهم، ونقلها إلى مستوى متقدم، والذي يوحي بالدور الذي تلعبه السياحة الثقافية في دعم الإبداع في القطاعات الفنية والأدائية والأدبية والاجتماعية في المجتمعات المحلية. وكيف أن خطط التطوير السياحية للمنطقة من شأنها أن تؤسس بنى تحتية ثقافية مستدامة، تنتقل من خلالها منطقة حتا لتكون مقصداً ثقافياً للقاءات والأنشطة الثقافية لأهم المبادرات والفعاليات المجتمعية في القطاعات الإبداعية والثقافية. وأبرز ما نحتاج إليه خلال هذه المرحلة هو الاستفادة المثالية من الطبيعة الخلابة للمنطقة، وتأصيل وجودها في التجربة الثقافية للقادمين إليها، فما يميز منطقة حتا بدرجة أساسية، هو ذاك التداخل الجبلي بمنازل المواطنين القريبة من بعضها بعضاً، والتي توحي بحميمة اجتماعية، قادرة على أن تشكل بحد ذاتها تجربة نوعية لمستكشفي المنطقة القادمين من مختلف دول العالم.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©