الإثنين 6 فبراير 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

تشارلز سيميك.. والسريالية الشعرية

تشارلز سيميك
26 يناير 2023 00:58

ساسي جبيل 

عالمٌ يَخْتفي.
لقدْ كُنتَ ضيّقاً جداً
أيّها الشارعُ الصغير، 
وكانَت هُناك أشياء في الظلِّ أكثر مِمّا يَنبغي .... «تشارلز سيميك»

يعتبر الشاعر الأميركي تشارلز سيميك، الذي رحل عن عالمنا منذ أيام، من الشعراء الذين خطوا مسيرة أدبية مهمة حيث أضفى بأعماله مسحة خاصة على الشعر الأميركي في العقود الأخيرة، إذ تميز شعره باللون الأوروبي الخاص، وبالتصويرية المبسطة، وتناول اليومي والآني الراهن. وبث هذه الروح في إصداراته الشعرية التي تجاوزت الـ 20 ديواناً، بالإضافة إلى عدد من البحوث والمقالات والترجمات بلغ عددها الأربعين رسمت ملامح تجربة شعرية وأدبية متفردة أهلته لنيل العديد من الجوائز الأدبية العالمية مثل جائزة البوليتزر في عام 1990، عن ديوانه «العالم لا ينتهي»، وجائزة ولاس ستيفنز، عام 2007، و«مِنحة العبقري» لمؤسسة ماك آرثر، وجائزة كرفن العالمية للشعر، كما تقلد العديد من المناصب، وتم اختياره مستشاراً للأكاديمية الأميركية للشعر، وحصل من مكتبة الكونجرس الأميركيّة على لقب أمير شعراء أميركا لسنة 2007. كما عمل أستاذاً للغة الإنجليزية في جامعة نيوهامبشير.

من الرعب إلى الشعر
ولد تشارلز سيميك سنة 1938 في بلغراد بيوغسلافيا السابقة، ونجا من الغزو النازي والاحتلال السوفييتي. ونزحت عائلته عبر الحدود هرباً من الاقتتال والاعتقال. وهاجر إلى الولايات المتحدة في الخامسة عشرة من عمره هرباً من الحرب، التي بثت الرعب في شرق أوروبا آنذاك، لينطلق في كتابة الشعر في سن 21 عاماً، ونشر بعدها كتابه الشعري الأول «ماذا يقول العشب»، عام 1967 باللغة الإنجليزية، قبل أن يصدر «تعرية الصمت» 1971 و«مدرسة لأفكار سوداء» 1978 و«أغاني بلوز لا تنتهي» 1986 و«أرق الفنادق» 1992 و«عرس في الجحيم» 1994 و«اصطحاب القطة السوداء» 1996و«نزهة ليلية» 2001 و«ستون قصيدة» 2008، وكذلك «العودة إلى مكان مُضاء بكوب حليب» الذي ترجم إلى اللغة العربية 2009. 

شعرية خاصة
تميزت قصائد الشاعر سيميك بلون خاص بين الواقعية والسريالية في شكل مختلف جلب إليه اهتمام النقاد والقراء الذين رأوا في توجهه هذا شعرية خاصة تنهل من معين متميز، ويكسوها حزن نبت مع أجواء نشأته الأولى وأهوال الحرب العالمية الثانية التي بقيت عالقة في ذهن الشاعر.
وفي هذا المقام كتب الناقد بيتر ستيت في صحيفة «جورجيا ريفيو»: «أمضى سيميك الأعوام الأحد عشر الأولى من حياته يُواجه مخاطر وتداعيات الحرب العالمية الثانية مقيماً في أوروبا الشرقية، وهذه المدة جعلته كاتباً منفياً يكتب بعمق خاص. إنه واحد من أكثر الشعراء حكمة بين أبناء جيله ويعد في المحصلة ضمن أبرزهم».
ويقول سيميك في مقتطف من كتابه «العالم لا ينتهي» قدمه للعربية الشاعر والمترجم السوري أحمد م. أحمد:
كانت أمي صغيرة من دخان أسود، 
حملتني مقمطاً فوق المدن المحترقة، 
كانت السماء مكاناً أوسع وأشد عصفاً من أن يلعب فيها ولد
وقد التقينا بكثير من أولئك الذين يشبهوننا
جميعهم كانوا يحاولون ارتداء معاطفهم بأيدٍ صنعت من دخان.
كانت السماوات السحيقة مفعمة بآذان منكمشة صماء بدلاً من النجوم.

أسئلة وجودية
ويبحث سيميك في كنه الموت ويطرح الأسئلة الوجودية العميقة في قصيدته «عيون مثبتة بالدبابيس»:
كيف يعمل الموت؟
لا أحد يعلم
في أي يوم طويل سيحط رحاله
الزوجة الوحيدة دائماً
تكوي غسيل الموت
البنات الجميلات
يقمن بإعداد طاولة عشاء الموت
الجيران يلعبون الورق في الفناء الخلفي
أو يكتفون بالجلوس
على العتبات..
وفي غضون ذلك
وفي جزءٍ غريب من المدينة
يبحث الموت عن أحد
يسعل بشكلٍ رديءٍ
غير أن العنوان مضلّلٌ نوعاً ما
وحتى الموت لم يستطع الاهتداء إليه
بين تلك الأبواب المقفلة جميعها
وحيث يشرع المطر بالهطول
في ليلةٍ عاصفة
هكذا يموتُ من دون حتى جريدة تغطي رأسه
ودونما قطعة نقدية تمكنه من الاتصال بمن يغيثه
متثاقلاً يتعرى على مهله
ويوثق عارياً
إلى جهة الموت في السرير.

خطأ البدايات
وعن إبداعه يقول سيميك: «عندما تبدأ بتدوين الكلمات على الصفحة ستتولاك حالة من التداعي لتقول في سرِّك فجأة: يا إلهي كيف دخل هذا في رأسي، لماذا هو مدوّن على الصفحة؟ وما أفعله هو أن أمضي إلى حيث يأخذني» كما يعترف تشارلز سيميك صراحة بأنه أخطأ البدايات الأدبية من خلال كتابة رواية وهو في سن العشرين، ثم انتابه ندم عميق: «لابد أن تكون على درجة من الحماقة كي تبدأ كتابة رواية وأنت في العشرين... أتذكّر أنني كتبتُ الحبكة الروائية، وعند الصفحة 55 توقفت، فقد نفدتْ مني الأفكار». وبعد أن عدل عن ذلك عاد إلى نشر قصائده التي بدأت تستقطب الأضواء شيئاً فشيئاً، حيث أحيطت بجو خاص بين الواقعية والسريالية وهو ما تجلى واضحاً في مؤلفاته الشعرية المتعددة.

قصيدة النثر
ويعتبر سيميك من الشعراء القلائل الذين كان لهم حضور مميز في أميركا بالخصوص، كما يعتقد أن شعر النثر متن سلبي، يمكن أن يكون عرضياً مثل «الرسوم الكاريكاتورية التي تُترك على مناديل المقاهي» أو أداء تأملياً عميقاً أو أداء صاخباً في سيرك ثلاثي الحلقات، كما جاء في شهادة قدمها الشاعر ممهورة بـ«مقال عن قصيدة النثر» في مهرجان للشعر في روتردام، حيث يرى أن شعراء قصيدة النثر «يشبهون النثر ويتصرفون مثل القصائد، لأنهم رغم الصعاب يجعلون أنفسهم في مصائد ذباب لخيالنا». 

في عيون النقاد
المترجم والشاعر السوري أحمد م. أحمد كتب مقدمة طويلة لترجمته قصائد سيميك، معتبراً أنه في عالم هذا الشاعر «تنتظرك قبلة أو هراوة أو ابتسامة من سخافات المجتمع أو ذكرى مروعة كالحة من الحرب العالمية الثانية». ويذهب الناقد بيتر ستيت إلى أن جذر قصائده الرئيسي يذهب عميقاً في الفلكلور الأوروبي. وهناك من ردّ تهكميته إلى أن ماضي أوروبا الوسطى والشرقية ينبض في عروقه، فتجارب الحرب في طفولته والفقر والجوع تكمن خلف كثير من قصائده.
أما ديانا إنغلمان فترى أن صوت سيميك الشعري مزدوج ينطق باللكنة الأميركية وينضح بالمنفى. فقصائده تسعى لتوصيل ثنائية المنفى في خصوصيتها، فهي في الوقت نفسه بيان أصيل عن الحساسية الأميركية المعاصرة وتقترح مجازاً لما هو صامت وأجنبي.
وبدوره يقول الكاتب ليام ريكتور: إن أعمال سيميك تصل الصفاء والأصالة التي لم يدركها أحد من معاصريه. أما الناقد فيكتور كونتوسكي فيرى أن إنجاز سيميك الأدبي يعتبر ضمن أهم التجارب الشعرية المتأصلة في القرن العشرين.

مختارات من شعره
الإنسانيّة الذاهلةِ

الظهور في دورٍ موجز
لديَّ سَطْرٌ صغيرٌ، هامس في ملحمة دامية. 
كنتُ فرداً من الإنسانيّة الذاهلةِ الهاربة.
كنتُ هناك، قلتُ لصغاري.
محشوراً بين الرجل ذي اليدين المضمدتين المرفوعتين
وبين المرأة بفمها الفاغر
وكأنها كانت تعرض أمامنا ضرساً لها
يؤلمها أيّما إيلام. والمرّاتُ المئة
التي أرجعتُ فيها الشّريط، 
لم أجد أن أحدهم قد صوّر لقطةً لي
في ذلك الحشد المترامي، 
الذي كان يشبه أيَّ حَشْدٍ رماديٍّ آخر.
هلمّوا إلى الفراش، أخيراً قلتُ.
أنا موقنٌ أني كنتُ هناك. جولة كاميرا
واحدة فحسب كانتْ كلَّ ما أعطوه من وقتهم.
ركضْنا، هواءُ الطّائرات رعا شعرَنا، 
لتتلاشى بعد ذلك.
ونحن واقفون يلفّنا دوار في المدينة المشتعلة، 
لكنهم، بالطبع، لم يصوِّروا ذلك.
الغرفة البيضاء
الواضح عصيٌّ
على البرهان. والكثيرون يفضّلون
الخبيء. وأنا منهم.
أصغيتُ إلى الأشجار.
لديها سِرٌّ
أوشكتْ أن تذيعَه لي، 
ثم أحجمتْ.
حلّ الصّيف. وكلّ شجرةٍ
في شارعي كانت لها
شهرزادُها. ولياليَّ كانت جزءاً من
قّصِّها الغرائبيّ. كنا نلِجُ
البيوتَ المظلمة، 
المزيد والمزيد من البيوت المظلمة
الصامتة والمهجورة.
أحدٌ ما بعينيه المطبقتين
هناك في الطوابق العليا.
جعلني الاستغراق فيه، 
والعجب بمنأى عن النوم.
الحقيقة صارخة وباردة، 
قالت المرأة
التي ارتدت الأبيض دائماً.
ولم تغادر غرفتها إلا لماماً.
أشارت الشمس إلى واحد أو اثنين
من الأشياء التي نجتْ
مما لم يمسّها الليل الطويل، 
تلك هي الأشياء الأكثر بساطةً، 
العصيّة في وضوحها.
لم يبدر منها أدنى ضجيج.
كان يوماً من النوع الذي يصفه الناسُ بأنه «كامل»
هل تنكّرت الطقوس
كدبابيس شَعرٍ سوداء؟ مرآةِ يدٍ؟
مشطٍ ذي سنٍّ مفقودة؟
لا! لم يكن الأمر كذلك.
إنها الأشياء كما هي، 
سكونٌ خادعٌ كامن في سطوعِ ذلك الضوء، 
بينما الأشجار تترقّبُ الليل.
في المكتبة
ثمة كتاب عنوانُه
«قاموس الملائكة»
لم يفتحه أحدٌ منذ خمسين عاماً، 
أدركتُ ذلك، لأنني عندما فتحته، 
أصدرتْ دفّتاه صريراً، وتفتّتت
صحائفه. 
كانت سماء الغسق تعجّ بها.
وكان عليك أن تلوِّح بكلتا يديك
لكي تشيحها عنك.
تسطع الشمس الآن
عبر النوافذ الطويلة.
المكتبة مكان هادئ.
والسرُّ العظيم يقبع
على رفٍّ ما
تمرّ به الآنسة جونز
كل يوم خلال جولاتها.
إنها فارعة الطول، لذلك تُبقي
رأسها مائلةً وكأنها في حالة إصغاء.
تهمسُ الكتبُ.
لا أسمعُ شيئاً، لكنها تسمع.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©