الأحد 27 نوفمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

يوسف عيدابي.. مرايا الرؤى وصناعة الإبداع

الدكتور يوسف عيدابي
10 نوفمبر 2022 01:38

محمد عبدالسميع 

أراد أحدهم أن يتعلّم الشّعر، فطلب منه معلّمه أن يحفظ ألف بيتٍ ليشهد له، ولما حفظها قال ارمها في البحر وانسَ ما حفظته! يشبه هذا المفتتح قراءتنا للناقد والمسرحي والمفكّر السوداني الدكتور يوسف عيدابي الذي كلّما قرأته أو قرأت عنه تبيّن لك أن فيوضاً من المعرفة والكشف ونبوءة الزمن لا تزال تصدق كلّما امتحنها الظرف وكرَّت عليها السنون.
منذ أن تجلّت على لسانه وبين عينيه انتباهته الأولى في أربعينيات القرن الماضي فتح عينيه على بلد يحمل بإحدى عينيه إفريقيّته وبعينه الأخرى عروبته، وهو ما جعله يرتاد الشمول والآفاق ويحلّق في كلّ أرض السودان، فيعود من الرحلة يحمل روح كلّ هذه العبقريّة التي وُجد عليها بلد كبير يحمل أطيافه وإثنيّاته وشماله وجنوبه وشرقه وغربه ومدنه وباديته وقراه وجيرانه، وثقافته التي هي محور التطواف واستذكار الرؤية وحراك الرعيل الأوّل والروّاد نحو مستقبلٍ تظلله غيمة أو غيوم يمكن أن تمطر أو تُستمطر إن وجدت أنّ ثمّة من ينتظر خيرها الوفير ليعمّ على الجميع.

هناك مفاتيح ثقافيّة بالتأكيد، حين تريد أن تفهم المستشار الثقافي د. يوسف عيدابي، وتدرك آفاق وطموحاته وأحلامه، فإن استعدتَ شريط ذكرياته عبر لقاء تلفزيوني أو حوار صحفي أو عمل مسرحي أو محاضرة ألقاها أو رؤية ارتآها، فإنّك حتماً لابدّ أن تمرّ على «الغابة والصحراء»، وبالطبع فأنت مدعوٌّ للاستمتاع بجماليّة وغاية العرض المسرحي «حصان البياحة»، ولابدّ أن تدرك أيضاً ظروف الستينيات وما صاحبها وما تلاها من عقود، رأى عيدابي نفسه فيها أشبه بحامل جمر لا يمكن أن يبترد يوماً، طالما توزّعت عينه على كلّ أجزاء السودان أو مساحاته وثقافاته توزيعاً عادلاً، ولذلك لم يكن مشروع الغابة والصحراء الذي انتهجه مع صديقه الشاعر محمد عبد الحي، مجرّد تيار شعري يحمل تنوّع السودان التراثي، بل كان أيضاً أرضيّةً جادةً لانفتاح واعٍ على عالم بأكمله فيه وهج الحداثة وفضول التجريب، وفيه كذلك ثقافة رائدة تحمل في طيّاتها الكثير، وعين حريصة على تراث هائل وأصيل وثري.

قراءة  الذات
والأهمّ هو أن يكون ذلك أو هذا المشروع من لدن أحد أبناء السودان وليس مقحماً عليه، مشروعٌ يتفهّم الانفتاح ويدرك وجاهة الأنثروبولوجيا في بلد أشبه بقارّة في ثقافات أهله وناسه وجغرافيّته. أمّا «عصا البياحة»، بداية سبعينيات القرن الماضي، فكانت المسرحيّة التي حملت هذه الرؤية أو ما ذاع منها ورشح تحت مسمّى «مسرح لعموم السودان»، وهو الصورة طبق الأصل لفكرة الاحتفاء بالتنوّع وقراءة الذات السودانيّة من خلال الفنّ الذي هو مرآة لحياة الناس وأفكارهم وعاداتهم وأساليب عيشهم، إذا ما عرّفنا الثقافة بأنّها تشتمل في تعريفاتها الكثيرة على كلّ هذه المفردات التي ترتبط بها حياة الناس.

سيرة ومسيرة
ومن السّهل أن تُدرَجَ سيرة يوسف عيدابي بنقاط سريعة، في رؤيته ومعاناته وسفره وتأثيره ومؤلفاته واشتغاله بالصحافة، نافذة إحساسه العميق ونظرته الثقافيّة، النظرة التي رسخت اسمه ووسّعت من انتشاره لدى مثقفي العرب والنُّخب الثقافيّة التي تثني على هذا الاسم العامل بصمت وثقة ويقين بثمار المشروع الثقافي في بلاده وفي كلّ بلدٍ يعمل فيه أو يستضاف على أرضه.
ولكنْ، ربما يُسرِع قرّاء السِّيَر من الشباب أو لا ينتبهون إلى أنّ في كلّ تفصيلة من حياة عيدابي مهاداً ووجهات نظر وذاتاً حزينة وفرِحَة في الوقت ذاته وركاماً ربما لو استثرته بجزئيّةٍ منه، لانطلق بكلّ عذوبة كلامه ومنطق تسلسله، يتحدث عنها وكأنّه اليوم، ففي كلّ بلد طائر فينيق تهيّأ لنفض رماد وأيضاً لاكتناه وريادة المزيد من الفضاءات.

صحافة رياديّة
بعد أن فهمنا اشتراطات الجلوس مع عيدابي وفهم أفكاره للاستخلاص والاستعادة، يسهل ما تبقّى من عواكس الثقافات، فكأنّما وهو يتحدث في إحدى قراءاته لواقع الشارقة الثقافي، مستعيداً شعراء منطقة الحيرة بالشارقة ونهضتهم بالشعر فيها وانفتاحهم على الرومانسيات والحريّات واستعارتهم معنى «العصافير» في صحافة رياديّة في فترات قديمة.. كأنّما هو يروي نفسه في تأثّره بمحيطه العربيّ في قصيدة النثر وجمالياتها وحداثتها الساحرة، لدى نفر من المبدعين العرب الذين زامل بعضهم، وتشارك معهم في الرؤى والأفكار.

مناهج ورؤى
وحين جدّ يوسف عيدابي الخطى ليدرس في رومانيا المسرح، لم يكن في الواقع خلواً من أرضيّة ثقافيّة ورؤية لهذا الفنّ وطبيعته التي رآها لكلّ بلده بما يحمله السودان من اتساع، دون أن يكون المسرح مفروضاً أو قيمة معياريّة يجب المقايسة عليها، فإن فشلت المقايسة فشل المسرح، فقد كانت لديه خصوصيّة سودانيّة واحترام لثقافات ومناهج ورؤى مسرحيّة في الغرب. والمهمّ أنّه لم يكن مُنْبَتّاً أو مقطوع الصّلة بجذوره وأرضيّته الثقافيّة، وما تبقى سهلٌ تحقيقه والسير فيه، بل والتفاعل مع الحداثة ووجود ما ينفع فيها، والتأثّر به إذا لزم الأمر.
وهذا الاعتدال في الرؤية جعل عيدابي يتبوأ مناصب ذات علاقة بالمسرح والموسيقى، مثل تولّيهِ عمادة معهد الفنون المسرحيّة والموسيقية في السودان الذي أثّر وطوّر كثيراً فيه، وإدارته مركز الوثائق والفلكلور في السودان، وعمله محاضراً في جامعات السودان ورومانيا والإمارات.

«الفنار» و«الحلم»
وفي مسرحيّاته، يلمس المتابع مدى الجهد التنويري ليوسف عيدابي، في: «حصان البياحة»، و«المشوّهون»، و«الفنار»، و«الحلم»، و«الممسوسون». وحتى في مجلّة التراث التي أسسها تحت مسمّى «وازا» نجد مقدار التنوّع الثقافي الذي كان ينشده ويرمي إليه، تماماً مثل إخلاصه للتراث في مجلّة «المأثورات الشعبيّة». أمّا الدكتوراه التي حصل عليها من بوخارست برومانيا في تاريخ ونظرية المسرح، فهي تكليلٌ ناجحٌ وجدير لكلّ تلك الإرهاصات والنوازع الثقافيّة الإنسانيّة الفنيّة والأدبيّة.

واهتمام الدكتور عيدابي بالمسرح والفنون والثقافة والفكر يسَّرَ له أن يكون مستشاراً ثقافيّاً في «دارة الدكتور سلطان القاسمي للدراسات الخليجية»، ومستشاراً للهيئة العربيّة للمسرح بالشارقة، وعضو مجلس أمناء أكاديمية الشارقة للفنون الأدائيّة. كما تنمّ كتبه ومؤلفاته وإصداراته عن شغفه بالمسرح والفن عموماً الذي أصدر وحرر فيه: «في الشعرية البصريّة»، و«مسرح الإمارات وطريق المستقبل»، و«اللغة في المسرح»، و«نحو مسرح للطفل»، و«المسرح في الخليج: توصيف الواقع ورؤى المستقبل»، و«السيرة المسرحيّة: شهادات ووثائق عن الحياة المسرحية في الإمارات»، و«شكل الدائرة: التسلط والحريّة في التجربة التشكيليّة»، و«مرايا الرؤى في شأن بلاغة التشكيل: الشعرية البصريّة»، و«الزمن الثالث: المسرح ومتغيرات الألفية».

«شاهد على التاريخ»
وهذا الكم النوعي من الثقافة والتنافذ على الصحافة والتحرير والعمل بها وولوج فنون التشكيل ورؤاها والشعر وقراءة الواقع المسرحي الإماراتي والخليجي والعربي، كانت تتوفّر له إرادة باحثة وصادقة في مسعاها، إذ يُعبّر كتابه «شاهد على التاريخ: نظرات نقديّة في الأعمال المسرحيّة والروائيّة للشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي»، عن مدى احترامه لصاحب السمو حاكم الشارقة ورؤيته الثقافيّة وآفاقه المستقبليّة للشارقة على خريطة المشهد العام للثقافة العربية والعالميّة.
أمّا «معرض الشارقة الدولي للكتاب»، فله مع يوسف عيدابي ذكريات في التجربة والرؤية وقراءة المرحلة والبدايات إلى ما وصل إليه اليوم من سمعة عالميّة، فلا تستغني عن المشاركة فيه دار نشر محليّة أو عربيّة أو عالميّة، والقصص والذكريات حين تستعاد على لسان عيدابي فإنّ لها نكهةً خاصّةً بكلّ ما في الذكريات من مقارنات وعبق ومقايسات.

التخطيط الثقافي
يوسف عيدابي.. ذاكرة سودانيّة عابقة بالمحبة والجدّ والإخلاص يعرفها الإماراتيّون والعرب والسودانيّون، وشخصيّة تفهم معنى التخطيط الثقافي وقراءة المرحلة وحيثيّات المواكبة والاعتزاز بالأصالة وفهم الخصوصيّات، أمّا الترجمة فكان عيدابي مجلّياً فيها، باعتبار الترجمة وسيطاً رائعاً بين ثقافات العالم التي يشعر تجاهها بكلّ دافعيّة المثقف والشاعر والمفكّر والفنان.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©