الأحد 25 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

الأصل والحاضر والمصير.. الحركة الثلاثية للفكر الفلسفي

الأصل والحاضر والمصير.. الحركة الثلاثية للفكر الفلسفي
22 سبتمبر 2022 01:07

الفاهم محمد

تخيل معي رجلاً استفاق يوماً ليجد نفسه وهو يسير في طريق طويل يبدو وكأنه لا نهاية له. حالته شبيهة بما تعرضه علينا اللوحة الشهيرة للفنان الألماني كاسبار دفيد فريدريش، المعروفة بلوحة «المسافر فوق بحر من الضباب»! لنتخيل الآن أيضاً أن هذا الرجل استعاد وعيه للتو، وقد بدأ يتساءل عن الظروف التي أفضت به لهذا السفر، بل وعن الأصل الذي انبثق منه هذا الطريق الذي يعبره الآن، ثم إنه وهو يفتتن بما يراه حواليه، كان يتساءل عن طبيعة ما يراه، وعن ماهية الأشياء التي تحيط به وتحف الطريق من الجانبين، من جبال وغابات ووديان. وعلى رغم أن الرحلة قد تبدو أحياناً موحشة ومخيفة بفعل ما يحتمل أن يطلع عليه من الأحراش الجانبية، أو ما يمكن أن يتعثر به في طريقه، إلا أنه في الغالب كان يستمتع بسفره! وبعد أن ينال منه التعب كان يجلس مستنداً إلى جذع شجرة، متسائلاً عن نهاية الطريق وعما يمكن أن يخفيه الأفق؟!
من دون شك، إن رحلة هذا الرجل الجوال وتساؤلاته وهواجسه لشبيهة بالتساؤلات التي تلخص القلق المعرفي للفلسفة. السؤال عن الأصل، والهوية والمصير أو ما يمكن أن نسميه بالحركة الثلاثية للفكر الفلسفي. لا يوجد فيلسوف أصيل، ولا أي اتجاه أو نسق فلسفي، أغفل التفكير في هذه التساؤلات. بل إن جوهر قاعدة التفلسف ذاته، يوجد في صميم هذه الانشغالات الثلاثة. دعونا إذن نبسط هنا هذه الحركة الثلاثية ولو بشيء من الإيجاز.

  • نيتشه
    نيتشه

أولاً: الأصل
احتلت مشكلة الأصل مكانة مهمة في تاريخ الفلسفة، وخاصة الفلسفة المعاصرة مع نيتشه، حيث ارتبطت بمنهج قائم بذاته، ألا وهو المنهج الجينيالوجي الذي يروم البحث عن نشأة وتكون الأشياء. لقد كان موضوع الأصل عزيزاً على الميتافيزيقا، وهي تحيطه بهالة خاصة. ما دام أن الأصل يحيل إلى المنشأ وإلى الرحم الذي انبثق منه الوجود. أما بالنسبة لنيتشه فالأمر مختلف تماماً، إنه لا يلجأ إلى طرح مشكلة الأصل، إلا من أجل تجاوز هذه الهالة، أي تجاوز الميتافيزيقا في نهاية المطاف. 
حضرت فرضية الأصل هذه بدلالات مغايرة للمعنى النيتشوي لدى العديد من الكتاب والمفكرين، حيث صاغوا حولها تصورات معينة، أدت بهم إلى تقديم أطروحات شهيرة في تاريخ الفلسفة، نذكر منها مثلاً أطروحة لفويرباخ، وأطروحات لفرويد، ثم كارل ماركس حول «أصل الملكية الفردية والصراع الطبقي»، وكذلك جان جاك روسو في كتابه «أصل التفاوت وأسسه بين البشر»، هذا دون الحديث عن كتاب «أصل الأنواع» لشارل داروين.
وهكذا يبدو أن مشكلة الأصل حضرت لدى جل المفكرين، سواء بشكل صريح أو ضمني. فكل ما يمكن أن يقال عن الإنسان، لا بد أن يقال بافتراض أصل ثقافي أو تاريخي معين كان عليه هذا الإنسان، قبل أن يدخل مرحلة الحضارة، حيث شكل هذا الأصل المعالم الأساسية لما سيظهر لاحقاً.
وإذا كانت مشكلة الأصل قد تم تناولها قديماً، أو عولجت من طرف الفلسفة على أنها جزء مما وراء الطبيعة، فإن الركام الهائل من التخصصات الدقيقة التي أفرزها العلم المعاصر، أدى إلى اعتبار موضوع أصل الكون والحياة موضوعاً علمياً اختبارياً. صحيح أن أجزاء مهمة من هذا الموضوع ما زالت غامضة، تثير تساؤلات فلسفية وشجوناً. غير أن الموضوع في أغلب أبعاده بات واضحاً، تؤطره نظرية تلقى قبولاً من طرف كثير من العلماء وهي نظرية الانفجار العظيم، التي تزداد تدقيقاً ووضوحاً يوماً عن يوم بفعل المراجعات والإضافات، التي يقوم بها العلماء من مختلف بقاع العالم.
ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن مسألة الوجود العام والوجود الخاص قد أصبحت محسومة.
 
ثانياً: الحاضر
 إذا كان التفكير في مسألة الأصل، قد قاد الفلسفة في كثير من الأحيان إلى التعالي عن الواقع، كي تصبح كما كانت تسمى في القديم «العلم بالأسباب والمبادئ الأولى للوجود»، فإن هذا لم يمنع مع ذلك من التأكيد على أنها يمكن أن تلعب على الحبلين. إذ منذ اليونان نظر إليها على أنها نمط من المعرفة، وفي الآن ذاته نمط من العيش. وبهذا المعنى ستوجه الفلسفة أنظارها إلى الواقع، إنها قراءة تشخيصية لظواهر العالم المعيش. ومنذ نشأتها كانت الفلسفة تسير دوماً بقدمين، إنها معرفة ومشكلات نظرية، لكنها أيضاً فضيلة وطريقة في الحياة الحكمية في العالم. غير أن توالي السنين سيحول قدرها كي تنحصر في حل المشكلات النظرية، أكثر من اهتمامها برسم فن للحياة. وهكذا سينتهي بها الأمر كي تصبح عملاً أكاديمياً.

  • فريدريك هيجل
    فريدريك هيجل

لقد بدا هذا الأمر مع الفلسفة المدرسية، التي غرقت لقرون في مسائل الصورة والماهية والجوهر والعرض وغيرها، وتعزز الطابع الأكاديمي مع الفلسفة الأنوارية خصوصاً لدى كانط وهيجل. إن السؤال المطروح إذن، هو ما الذي يمكن للفلسفة أن تحمله للحياة المعيشة. كان كارل ماركس واحداً من الذين انتفضوا -كما هو معروف- ضد هذا الطابع النظري المفرط، مؤكداً في مقولته الشهيرة أن مهمة الفلسفة ليست الاكتفاء بفهم العالم، بل العمل على تغييره. إن جوهر الفلسفة في نظره لابد أن يكون ممارسة/ براكسيس.
والفكرة نفسها دافعت عنها الفلسفة البراغماتية. إن مهمة الفلسفة ليست العثور على الحقيقة المطلقة المتعالية على الواقع، بل إيجاد الحلول لمشاكل الحياة الواقعية. وستتحول الفلسفة مع ويليام جيمس وجون ديوي إلى أداة مكرسة ليس لمعالجة المشاكل الميتافيزيقية، بل للعثور على حل عملي يجلب المنفعة للإنسان في الواقع. وينتج عن هذا الأمر أنه ليست هناك حقيقة واحدة تنطبق على جميع الحالات، بل إن الحقيقة تظل مرتبطة بالسياق الثقافي والحضاري الذي نعمل فيه. لقد كان البراغماتيون من أوائل المفكرين الذين فتحوا الفلسفة على الاختلاف والتعدد، وذلك قبل ظهور فلسفة الاختلاف.

ثالثاً: المصير
 أن نفكر في الحاضر، هذا لا يعني أن ننحصر ضمن نظرة ضيقة محدودة في الأوضاع القائمة. تهتم الفلسفة أيضاً بإمكانية أن يرفع الإنسان بصره كي يتمكن من إلقاء نظرة شاملة على المصير العام الذي تتجه إليه الأمور. إنها لا تفكر فقط فيما تمت رؤيته {الماضي/ الأصل} أو فيما يرى الآن {الحاضر}، بل أيضاً فيما لم ير بعد، أو فيما هو غير قابل للرؤية {المصير المستقبلي}.  
وتكمن أهمية فلسفة هيدغر في هذه النقطة بالضبط، القدرة على الإحاطة التي تسعى لأن تكون شاملة بالوجود. ورغم تفوق هيجل على هيدغر في هذه المسألة، حيث ظل هذا الأخير يفكر في قدر التاريخ الغربي تحديداً، بينما تمكن هيجل من رصد قصة الوجود منذ بداياتها الأولى مع الشرق!
إن المصير يقع دائماً هنالك، في الأفق المفتوح للمستقبل، على رغم أن بداياته توجد هنا في الحاضر، أو ربما أكثر من ذلك مغروسة في غياهب الماضي، ومع ذلك فإن المصير هو نتاج للقرار الذي نتخذه، حول ما ينبغي فعله بأنفسنا وبالوجود العام. 
لقد تصور هيجل التاريخ باعتبار أن كل شيء يحدث بترتيب ونظام، وهو يتجه لتحقيق إنجاز كبير نجهل أبعاده ونتائجه. إنه الفكرة المطلقة. وبشكل أو بآخر كان هيجل هو أيضاً رواقياً. 
وعلى رغم أن هناك الكثير من الأشياء التي تتجاوزنا، بحيث لا يقع مصيرنا بشكل كلي على عاتقنا، إلا أن الإنسان سيظل مسؤولاً عن القرارات المصيرية التي تنتظره، فيما يتعلق مثلاً بالانتقال الطاقي، أو التخطيط السكاني، أو الحد من الاحتباس الحراري، أو غيره من الإشكالات. ولا يمكن أن ينظر الإنسان لنفسه على أساس أنه بطل أو إنسان أعلى، أو أن يغتر بما يمكن أن توفره له العدة التكنولوجية اليوم، التي ينبغي بالأحرى مقاومة إغراءاتها أحياناً. إن الفلسفة ستظل في العمق قراراً نتخذه بصدد ما يجب أن تتجه نحوه بوصلة العمل، ولكن لسنا وحدنا من نتخذ هذا القرار، فهذه هي أطروحة الحرية المطلقة عند سارتر. والقرار اليوم لا يقتضي منا فعل ما نشاء، بل ما تشاء الأجيال القادمة، والكائنات الحية، والطبيعة والأرض.
هذه هي متاهة الفلسفة: التفكير بعقل يدور كمروحة على ثلاثة اتجاهات: إعادة رؤية ما تمت رؤيته/ الأصل. تغيير طريقة رؤية المنظور/ الحاضر. وأخيراً جعل ما هو غير مرئي قابلاً للرؤية/ المصير المستقبلي.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©