الأحد 2 أكتوبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

بغداد.. ذاكرة قرون ذهبية

بغداد.. ذاكرة قرون ذهبية
28 يوليو 2022 00:31

محمد عبدالسميع (الشارقة)

ما الذي يمكن قوله بعد عن بغداد، مدينة السلام، الزاخرة بتراثها وعراقتها وأصالتها وكنوزها الفكريّة ودورها وحضورها المعرفي والثقافي والحضاريّ. لقد ظلت على مر التاريخ نموذجاً مضيئاً ومنارة حضارة، على رغم تأثير بعض الظروف الصعبة، عبر التاريخ، على عطائها الثقافيّ، الذي ظل دائماً هو العنوان، كما في كلّ العناوين المشرقة الأخرى في حياة المدينة التي تحتاج إلى أن تواصل دورها وتستعيد أنفاسها، لتظلّ حاضرةً مهمّة من حواضر الثقافة العربيّة، في زمن تحتاج فيه العواصم العربيّة إلى تمتين خيط الترابط الثقافيّ فيما بينها نحو تكامل المشروع الثقافي والحضاري العربيّ الذي يشدّ من أزر كلّ المشاريع الأخرى الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصادية بوجهٍ عام.
وبالتأكيد، فربما تكون الارتدادات والتدافعات الثقافية والفكرية سبباً في حالة تراجع الدور الثقافي، في بعض الفترات، غير أنّ المهم هو مواصلة الطريق والبناء المؤسسي الحاضن للأفكار الخلاقة التي تمتّعت بها بغداد، وصدّرت الكثير والوافر منها إلى المنطقة العربيّة والعالم على مرّ الزمان.

حنين مضمّخ بالإبداع 
واليوم، وعلى رغم كلّ ما مرّ على بغداد من ظروف صعبة خلال عقود ماضية، ما تزال هذه المدينة واثقةً وقويّةً في عطائها الثقافي والحضاري، بدليل أنّ أبناءها في العراق وفي المنافي من الشعراء والفنانين والتشكيليين والمفكرين وفي كافة المعارف والتخصصات، ما زالوا يعطون كثيراً من ألقهم وموفور إبداعهم المتميز للمكان الذي يحلّون فيه، فتتجلّى إبداعاتهم عربياً وأجنبياً، بتأثير من بغداد التي يستحضرونها بينهم وبين أنفسهم وبينهم وبين الناس وبينهم وبين المكان وعلى كافة المنابر، فيبثّون إليها كلّ أنواع الحنين المضمّخ بكلّ هذا الإبداع، عبر الصوت الأدبي والغنائيّ والشعر العميق واللوحة التشكيليّة الآسرة فكلّها تحمل إحساس أبناء بغداد الذين نشؤوا في أحضانها، وكان قدر بعضهم أن يكونوا بعيدين عنها لظروف خارجة عن نطاق عصر الرومانسيّة والجوّ الثقافي الأصيل في مواجهة عقود الحروب والصراعات وعدم الاستقرار التي مُنيت بها البشرية وطال تأثيرها هذه المدينة العريقة جداً بثقافتها ومعارفها وعلومها وكافة أنواع الآداب وصنوف الفنون.

ياسين النصير: محطة تنويرية 
يطرح الكاتب العراقي ياسين النصير مقاربةً في تاريخ المدن، مستحضراً أفكار أفلاطون في هذا المقام، ورؤيته للجمهورية التي لا تتم فكرتها إلا من خلال فكرة المدينة، فبغداد أنتجت بلداناً ومدناً، وهي مدينة تتفاعل مع إشعاعها مدن الشرق قاطبةً، حتى في فترات تاريخها الصعبة، فهي محطّة تنويرية للمثقفين العرب، أعطتهم الكثير وتأثروا بثقافتها وجددوا فيها وأضافوا، كما عند جبرا إبراهيم جبرا، وعبدالرحمن منيف، وغالب هلسا، وغيرهم. فهؤلاء كما يرى النصير وغيرهم كثيرون جعلوا بغداد حاضنةً إبداعية لهم في الثقافة والحياة، فهي مدينة ترتبط ثقافتها ومكتباتها وأجواؤها بمخيال المثقف العربي والعالمي، فلا يمكن التفكير بالحداثة من دونها، إذ إنّها دائماً ما تصنع الآفاق الجديدة، بل هي مجرى للتاريخ الإنساني، أثّر مسارها المائيّ عبر دجلة في ناسها وحيواتها ومساكنها.

أمجد ياسين: وفرة العمارة والمعرفة
ولا يمكن لدارس تاريخ وثقافة مدينة بغداد أيضاً أن ينسى أو يغضّ الطرف عن جذور حضارتها البابليّة، كما يقول الكاتب والناقد العراقي أمجد ياسين، فهذه الحضارة من أقدم حضارات العالم، وازدهرت في عهدها العلوم والآداب والفنون والعمارة والنظم السياسيّة والقانونية والاقتصاديّة، فهناك السومريون المشهود لهم بأنّهم أول من اخترع الكتابة المسماريّة وبنى المعاهد وأسس المدارس والمكتبات واستخدم الفخار. وللدلالة على إنجازاتها يكفي أن نشير، بحسب الكاتب أمجد ياسين، إلى مسلّة حمورابي وسنّ القوانين والعمران المذهل في الجنائن المعلقة وبوابة عشتار وغيرها، لتكون ثقافة العراق من أقدم الثقافات في العالم تاريخياً، فهي موطن الحضارات القديمة.
ويضيف ياسين كذلك الإشارة إلى وفرة التراث العراقي، وازدهار الإبداع وكثرة الشعراء والرسامين والنحاتين، على المستويين العربي والعالمي، ضمن أفضل الإبداعات، إضافةً إلى فنّ العمارة الرائق وتميّز المباني القديمة لمدينة تجمع باقتدار ما بين الأصالة والحداثة.

خالد علي: شهرزاد وألف ليلة وليلة 
ويحتفظ المثقفون ومؤرخو الأدب أيضاً بأسماء خالدة في فضاء العراق، في كلّ الفنون والآداب والمعرفة والثقافة، إذ يقف الملحن والفنان التشكيلي خالد علي عند شعراء كبار، مثل أبي الطيب المتنبي في العصر العباسي، والفرزدق أيضاً، وفي العصر الحديث برزت أسماء مثل عبدالوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري ونازك الملائكة وبدر شاكر السياب وجميل صدقي الزهاوي ومعروف الرصافي، وسواهم كثير، وكذلك رفعت الجادرجي وزها حديد ومحمد مكية في العمارة، وفائق حسن وإسماعيل فتاح الترك وخالد عبدالعزيز القصاب وليلى العطار ومحمود صبري وجواد سليم وشاكر حسن آل سعيد ونهى الراضي وفيصل لعيبي وغسان فيضي وعباس الكاظم ونزيهة سليم على صعيد الفنانين التشكيليين، ولهذا حفلت بغداد بكل ما من شأنه أن يحفظ كل هذا الأثر التاريخي ويعرضه أمام الناس والمهتمين به، كالمتحف البغدادي والمتحف العراقي ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف الموصل، إضافةً إلى الغنى القصصي في العراق أيضاً، كونه أرضاً خصبة للروايات والسرديات الكبرى التي اشتهرت في شتى أرجاء المعمورة، وترجمت إلى مختلف لغات العالم، أمّا ألف ليلة وليلة، وسندباد، وشهرزاد علاء الدين وعلي بابا، فهي حكايات بلغت من الشهرة ما بلغت كحكايات تراثيّة.

علي خيون: دور حضاري ريادي 
ويؤكّد القاص والروائي العراقي علي خيون حضور بغداد في الوجدان العربي، بما هو أشبه بالمدينة المسحورة الساحرة، إضافةً إلى دورها الريادي بين المدن التي تهفو إليها القلوب. أمّا حضارة وادي الرافدين فكفيلة بأن تضع بغداد في مرتبة عالية في نفوسنا، ولعل جانباً من ذلك هو ما يجسده القول المشهور: القاهرة تكتب، وبيروت تطبع، وبغداد تقرأ!.. ولهذا فالقراءة كفعل ثقافي مهم، سبب لإشراقة الروح وعمق الرؤية، حيث الفلسفات والشعراء والمخطوطات التي صمدت وظهرت للعالم على الرغم من كلّ الظروف والأوبئة والمحن، فقد بقيت بغداد مركزاً ثقافياً وقرائيّاً عظيماً، كظاهرة ثقافيّة قلّ نظيرها في العالم، حيث شارع المتنبي بما يحمله المسمى من دلالة، وما فيه من رواج للكتب والثقافة، ففي بغداد سعة ثقافة وبسطة علم قادت إلى خيال جميل.

المتنبي الشاعر.. و«الشارع»
بغداد، مدينة السلام المتجددة في حضورها، تستدعي على الدوام روح المتنبي الشاعر، و«الشارع» أيضاً، والمكتبات والشعراء الكبار، كالجواهري والسيّاب في الأصالة والحداثة، والحكايات الشعبيّة في ألف ليلة وليلة، والفنون التشكيلية والشعر والعمارة والمقامات والمسرح... فكلّها أعطتها بعداً أكبر ومستويات أوسع في مسميات معالمها ودلالاتها.. ولذلك فهي مدينة عريقة ثقافياً ومنفتحة ومتجددة في مشاربها ومؤثرة ومتأثرة في محيطها الإنساني.

اقرأ أيضاً:
بيروت.. ملهمة المبدعين
دمشق.. أبجديّة الياسمين
الإسكندرية.. جوهرة العالم القديم

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©