الخميس 29 سبتمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

«حيوانات أيامنا».. رحلة تستكشف عالماً موازياً

محمد المخزنجي
26 يونيو 2022 00:51

أحمد عاطف (القاهرة)

في كتابه القصصي «حيوانات أيامنا» يحوّل الروائي والأديب المصري محمد المخزنجي التاريخ إلى كتابة مجازية تقوم على جماليات المصالحة مع التنوع الحيوي الكوني بما يحفل به من ظواهر فريدة، ويكشف للقارئ جوانب خفية ربما لم يكن يعلمها من قبل عن الحيوانات تحديداً، ولا سيما في جانب «المشاعر» لديها! وقد وظف ذلك في قصص قصيرة على هيئة رحلة جمالية بين الحيوانات التي أسقط الكاتب عليها صوراً مجازية، لنجد أنفسنا أمام غزلان قادرة على الطيران، وأسماك تميز الشعر في رنين الصوت، وأفيال متبتلة للماء يجتاحها الجنون، وخيول تميتها الرتابة ويحييها الحلم، ودببة تفقد أسنانها من العشق، وجواميس تتبختر في غمرة النور، وفراشات بحر تغري وتغوي.. إلخ! 

عالم موازٍ
وقد اختار المخزنجي تصنيفاً مغايراً لكتاباته فاعتبر عمله هذا كتاباً قصصياً وليس مجموعة قصصية كما قد يعتقد كثير من الكتاب عادة عن هذا النوع من السرد الخيالي، موضحاً أنه لا يستدعي في عمله هذا «مجرد حيوانات، بل حيوات» لها عالم موازٍ لعالمنا ربما لا ننتبه له وسط زحام الحياة وكدّها، ذلك أن عالم الحيوانات المعتاد يستدعي شروطاً بيئية وفطرية أكثر ملاءمة من ظروف أيامنا هذه بتغيراتها المناخية وصراعاتها المحمومة.
والمخزنجي، الذي يعد أحد أعلام القصة القصيرة، ترك مهنة الطب بسبب شغف الكتابة ولا سيما أنه كما قال في أحد حواراته نشأ في بيئة كوسموبوليتانية بمدينة المنصورة في محافظة الدقهلية (شمال مصر)، وقد وصفه نجيب محفوظ بأنه «موهبة فذة في عالم القصة القصيرة»، كما قال عنه يوسف إدريس أيضاً إنه «يمكننا أن نكوّن من قصصه باقة من أجمل القصص العالمية». وقد اتجه للكتابة إثر ممارسة وجيزة لمهنة الطب، حيث حصل على درجة الاختصاص العالي في الطب النفسي وطب الأعصاب من معهد الدراسات العليا للأطباء بمدينة كييف الأوكرانية في عهد الاتحاد السوفييتي السابق. كما حصل على اختصاص إضافي في الطب البديل من المعهد ذاته، ومارس الطب النفسي في مصر وعمل اختصاصياً إكلينيكياً بأحد المستشفيات قبل أن يهجر الطب ويلتحق بأسرة تحرير مجلة «العربي» الكويتية في عام 1992، ثم عاد إلى مصر، وعاش أيضاً فترة في سوريا.
والحال أن كل فصل من هذا الكتاب القصصي خصص لحيوان، حيث يبدأ الفصل باستشهاد تراثي أو أدبي أو علمي عن ذلك الحيوان، ثم يذكر معلومة عنه، وبعدها يسرد قصة توضح سلوكه أو إحدى صفاته. 

الفضاء السردي
وعن الفضاء المكاني للسرد تدور قصص «حيوانات أيامنا» في عدد من  الدول كالعراق، ومصر، والهند، وناميبيا.. إلخ.. وقد مزجت الكتابة بين التاريخ والسياسة والجغرافيا والأنثربولوجيا والعمارة، وتم تقريب رسائل النص بسرديات عن الحيوان مما يجعله أكثر سهولة في الفهم بالنسبة لكثير من القراء.
ولعل من اللافت للنظر في كتاب المخزنجي استعارته كثيراً من الاقتباسات من كتب شهيرة، من ضمنها كتاب «الإنسان والحيوان» ليوري ديمتريف، و«حياة الحيوان الكبرى» للدميري، و«الحيوان» للجاحظ، و«عجائب المخلوقات» للقزويني، و«حين تبكي الأفيال» لجيفري ماسون، وكذلك باب الأمراض النفسية في كتاب «الصحة البرية» لسيندي أنجل، وغير ذلك من الكتب وثيقة الصلة بهذا المجال.

  • غلاف كتاب «حيوانات أيامنا»
    غلاف كتاب «حيوانات أيامنا»

رمزية إنسانية
على خطى الجاحظ يكسر المخزنجي الرؤية السائدة والسطحية عن الحيوانات، بسبب الموروث والمرويات الشعبية والصور النمطية الثقافية، فيقول في كتابه: «أظنك ممن يرى أن الطاووس أكرم.. من الغراب، وأن التُّدرج (نوع من الطيور) أعز.. من الحدأة، وأن الغزال أحب.. من الذئب، فإنما هذه أمور فرقها الله تعالى في عيون الناس، وميزها في طبائع العباد، فجعل بعضها بهم أقرب شبهاً، وجعل بعضها إنسياً، وجعل بعضها وحشياً، وبعضها غاذياً، وبعضها قاتلاً، كذلك الدرَّة، والخرزة، والثمرة، والجمرة فلا تذهب إلى ما تريك العين، واذهب إلى ما يريك العقل». 
وعن جوانب التشابه، وربما التناص والتأثر والتأثير، ذهب البعض إلى مقارنة «حيوانات أيامنا» مع رواية «مزرعة الحيوانات» المشهورة لجورج أورويل، ولكن على رغم واقعية الأولى وخيال الثانية إلا أن الفكرة العامة متشابهة إلى حد ما في أحداث كل منهما، وهي أن للحيوانات مشاعر وجوانب قيمية، حقيقية أو متخيلة، ذات رمزية إنسانية خاصة في مخيال المبدعين.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©