السبت 25 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
سؤال التراث.. الحضور والغياب
سؤال التراث.. الحضور والغياب
9 يونيو 2022 01:15

د. حسام بن عبدالوهاب زمان

يمثل معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي اختتم فعالياته مؤخراً، تظاهرة ثقافية عالمية في عاصمة عربية تجسد في حاضرها طبيعة امتدادها التاريخي، وصلتها الثقافية بحواضر كقرطبة وغرناطة أيام إشعاعهما الحضاري. إن أبوظبي تجسد في تفاعلها مع العالم ومبادراتها السياسية والحضارية في التسامح والتعايش وحوارات الأديان والثقافات نقطة إشعاع ومصدر إلهام لتجديد وتفعيل دور العرب في السياق الحضاري العالمي، وتأكيداً لحياة هذه الأمة وحضور ثقافتها واستمرار مساهمتها إقليمياً وعالمياً. 
إن أي نظرة متفائلة حول واقع الثقافة العربية ومستقبلها، من وجهة نظري، لها ما يسندها ويدعمها من واقع سياسي واجتماعي، وتطور في الأحداث على مدى العقدين الأخيرين منذ مطلع الألفية. فعلى رغم كل النكبات التي ألمت بعالمنا العربي، إلا أن للنظرة المتفائلة لمستقبل الثقافة العربية أسباباً من الواقع تبعث على التنبؤ بمستقبل أفضل.
ولعل أول أسباب التفاؤل بمستقبل الثقافة هو انحسار المد الأصولي عن عالمنا العربي، فالقضاء على «داعش»، ثم اندحار التيارات «الإخوانية» وتجريمها اجتماعياً وهزيمتها سياسياً، وآخرها ما شهدته تونس الخضراء ومغربنا العربي خلال العام الماضي، هذا الصعود ثم الانحسار للأصولية والتطرف، بما سببه من آثار سياسية واجتماعية واقتصادية، وتعطيل لمشاريع النهضة والتنمية، من الضروري أن يحظى بما يستحق من درس وتحليل، حتى لا نقع فيما وقعنا فيه مرة أخرى، من غير أن يؤخرنا هذا الدرس والتحليل عن المضي قدماً وتجاوز آثار تلك المرحلة. وما دمنا في أبوظبي، والحديث يستلهم منها، فمن الواجب الإشارة والإشادة بالوعي المبكر من صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، والخطوات الاستباقية التي قادتها دولة الإمارات داخلياً وخارجياً في كبح امتدادات الفكر «الإخواني» وفروعه وتمظهراته الأصولية. 

نظرة تفاؤلية
وهنا يأتي السبب الثاني لنظرة تفاؤلية لمستقبل الثقافة العربية، وهو أولوية الهم الثقافي لدى القيادات السياسية، وهذه الأولوية تعبر عن وعي القيادة السياسية في كثير من الدول الرائدة بأهمية دعم وتطوير الثقافة المنفتحة مؤسساتٍ ومنتجاتٍ، حتى لا نقع فيما وقعنا فيه مرة أخرى. وقد توالت الإنجازات، في هذا المقام، بدءاً من تأسيس وزارات خاصة للثقافة، ومراكز ومجالس وهيئات وجامعات معنية باللغة العربية والتراث الإسلامي على المستويات المحلية والوطنية والإقليمية، إلى تعاظم الحضور العربي الممثل خليجياً في المؤسسات والمنظمات الدولية المعنية بالثقافة مثل «اليونسكو»، وصولاً إحياء مشاريع عربية كانت حلماً من أحلام النهضة في عقودها الأولى، ولكنه يشهد تحققاً على أرض الواقع اليوم مثل مشروع الشارقة في «المعجم التاريخي للغة العربية».

جيل شاب
وعامل ثالث من عوامل التفاؤل الموضوعي لحاضر الثقافة العربية هو شباب الاهتمام الثقافي ويفاعته، فلفترة طويلة كان الحديث الثقافي حديثاً «عجائزياً»، إن جاز التعبير، ظل يعيش أحلام شبابه في الستينيات، ونضجه في السبعينيات، ومعاركه في الثمانينيات. ومع التأكيد على أنه لن يكون للثقافة مستقبل بلا رواد تستند إلى خبرتهم وتستفيد منها، ولكنّ داعي التفاؤل هو أن هناك جيلاً شاباً لم يكتفِ بهذا القدر في الاستناد والاستفادة، ولكنه أقبل أيضاً يستشرف طرائق جديدة في مختلف أوجه الثقافة، وبعضها وجهات جديدة أساساً لم تكن مطروقة أو ذات أولوية لدى الجيل السابق، كما أن هذه الأجيال الجديدة تجاوزت معارك الماضي وقضاياه، وبدت أكثر انفتاحاً على كل الأطياف والألوان. 

ثنائية العرب والغرب
ولعل من مزايا هذا الجيل، ونظراً لطبيعة تكوينه، وأعدُّه أيضاً في طريقه ليكون صفة للثقافة العربية اليوم وبالتالي عاملاً من عوامل التفاؤل بمستقبلها، هذا التحرر من العلاقة موهومة الديمومة التي ربط الجيل السابق بها بين الثقافتين العربية والغربية، فقد كانت المسيرة كلها مرتبطة ارتباطاً مصيرياً بالغرب. فالجامع بين أماني «أخذ ما في الغرب بعجره وبجره» وتهويلات «جاهلية القرن العشرين» هو الغرب، وكأن العالم كله هو الغرب ونحن فقط. وأزعم أن جيلاً جديداً من مثقفي اليوم -خصوصاً في خليجنا العربي- قد شرع في تجاوز هذه الثنائية والانفتاح أكثر على العالم شرقه وغربه وشماله وجنوبه. كما أن العواصم الثقافية الجديدة في الخليج العربي قد شرعت بجد من خلال رواد من مثقفيها في استكشاف علاقاتها الثقافية وامتداداتها في جنوب آسيا وشبه القارة الهندية وشرق أفريقيا، في دراسات تاريخية وثقافية تعكس وعياً وانفتاحاً وتجاوزاً لتلك الثنائية التي رزحنا تحتها زمناً. 

استيعاب التراث
والعامل الخامس من عوامل التفاؤل بواقع ومستقبل الثقافة العربية، هو عهد جديد في استيعاب التراث والتصالح معه، واستثماره والاستفادة منه، وتجاوزه في الوقت نفسه، وعدم الوقوف عند نهاياته. فعلى رغم كون ثقافتنا العربية - وأستشهد هنا بجورج طرابيشي: «من أغنى ثقافات العالم بذخيرتها من التراث... ومن أكثرها انشغالاً بشاغل التراث»، إلا أن الربع الأخير من القرن الماضي شهد -كما وصف في مقدمة كتابه «مذبحة التراث»- تجاذباً بين حالتي إزاحة ثم استبدال، ففي حين بدأ الأمر بتحويل التراث إلى ساحة لتنازع أيديولوجي بين أفكار متناحرة في الأساس تحاول استنطاق شرعيتها من مرجعيات تراثية، جرى لاحقاً «تحويل التراث نفسه إلى أيديولوجيا بديلة»، بحيث أصبحت «اللحظة الطاغية في التعاطي مع التراث هي اللحظة الأيديولوجية بكل مسبّقاتها وتحيزاتها وإسقاطاتها ومسكوتاتها وعماءاتها»، فنتج عن ذلك -والحديث ما زال لطرابيشي- أن أصبح لدينا «تراث مؤدلج، تراث بلا حقيقة تاريخية، ففي حال الإزاحة تسقط عليه الحقيقة من خارجه، وفي حال الاستبدال ينزل هو نفسه منزلة الحقيقة المطلقة، أي اللاتاريخية». 

مثال رائد
وختاماً، لا أجد أكثر مناسبة وأجمل توافقاً، أن يكون اختيار معرض أبوظبي للكتاب لهذا السؤال لتدارسه وطرحه، وضيف شرف هذا المعرض الزاهي وشخصيته المحورية هو عميد الأدب العربي د. طه حسين، رحمه الله. فطه حسين مثال رائد لنموذج المثقف الذي تعرف على تراثه واستوعبه، فقاده هذا الفهم والاستيعاب، إلى مساءلته ونقده ومراجعته، واستبطانه أدباً وقصة ورواية، ثم تجاوزه ومن خلاله إلى ثقافات أخرى سابقة ولاحقة، تأثر بها أو أثر فيها. 

5 معالم في التعامل مع التراث
لقد أفرزت نظرة الاستيعاب، بطريقة غير مباشرة، تعاملاً جديداً مع التراث له عدد من المعالم أرصدها وألخصها في التالي: 

1- التصالح مع التراث. فنحن أمة ذات تراث، العالم كله غربيُّه وشرقيُّه، يهتم به، ويزعم الاستفادة منه، والتأثر به، وينشئ المعاهد والمراكز المختلفة لدراسة مراحله وتطوره، وحفظ آثاره. كما أن إهمالنا أو إهمال بعضنا للتراث عموماً والتنكر له والإعراض عنه، لم ينعكس في صورة تقدم علمي أو تقني، أو تغيير اجتماعي، أو تطوير اقتصادي. أو بعبارة أخرى، لم يكن اهتمام بعضنا بالتراث، ودراسته والاستفادة مما يمكن الاستفادة منه سواء على مستوى الأطر الأخلاقية أو القيمية، أو التراث الفقهي والتشريعي، أو البعد الأدبي والثقافي، لم يكن هذا الاهتمام من قبل بعضنا معيقاً للتطور الاقتصادي والتحديث الاجتماعي، الذي ظهر في بعض أقطارنا ودولنا. وقد أدركت أجيال جديدة من المثقفين أن أزمتها مع التراث، ليست للآخر علاقة بها. فالمعارك التي احتدمت حول التراث وداخله لم يكن الغرب (مستعمراً أو غازياً أو مفاوضاً أو مبشّراً) سبباً فيها أو صانعاً لها، ففي اللحظات التاريخية للقائنا الحضاري مع الغرب كنا قد نسينا تراثنا منذ أمد طويل. 

2- التصالح مع التراث أدى إلى الاعتراف بتنوعه. فقد أصبح الفهم العام للتراث وأهمية الاستيعاب لأهم معالمه ومراحله جزءاً من تعريف المثقف. ولكن هذا الاعتراف في ذاته اعتراف في البداية بأنه تراث قبل كل شيء، وأنه اسم جمع، يعكس تنوعاً واختلافاً كبيراً جداً، بحجم تنوع أقطاره التي ظهر منها واختلافها، والامتداد التاريخي عبر قرون من الزمان التي تطور من خلالها، والعوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي أسهمت في تبلوره وتشكله على ما هو عليه. فحتمية الاعتراف بالتراث، هي حتمية الاعتراف بتنوعه، فهو ليس تراثاً واحداً من الممكن تفسيره في ضوء هذه الأيديولوجية أو تلك، كما أن له أبعاده التاريخية وعوامله الثقافية الخاصة التي تجعل من غير الممكن استبطانه -كلاً أو جزءاً- كأيديولوجيا معاصرة، هذا إن كنا في حاجة لأيديولوجيا من الأساس. 

3- الاعتراف بتنوع التراث وسعة وكثرة مدارسه وتوجهاته، رافقه -وإن كان على استحياء- اعتراف أيضاً واهتمام بتنوع أشكاله وتمظهراته. فتراثنا الثقافي عنوان آخذ في التوسع ليشمل جميع أشكال هذا التراث اللفظي والمادي، المكتوب والمرسوم والمتداول، الشعبي والنخبوي، الجاد والهزلي. وهذه التعاريف الموسعة للتراث -لتشمل أنواعاً وأشكالاً جديدة- سمحت بطريقة غير مباشرة أيضاً بتنوع المهتمين بهذا التراث والمعالجين لقضاياه وإشكالاته. 

4- كما أدى التصالح مع التراث إلى التعرف على تنوعه والاعتراف بمختلف أشكاله، فقد أدى هذا الأخير إلى اكتشاف امتداداته الإقليمية وعلاقاته العالمية مع تراثات وثقافات أمم أخرى مجاورة.. فتراثنا العربي هو حصيلة عملية تلاقح ثقافي متبادل، عملية طويلة عبر قرون من الزمن، ممتدة جغرافياً عبر قارات العالم القديم الثلاث. وهذه النظرة التقديرية للتراث، تعكس وتحفز سياسات الانفتاح بدلاً من الانكفاء، وقناعة بأهمية وفائدة التحاور والتعايش، بديلاً لدعوات الحماية والاكتفاء. 

5- هذه العملية التصالحية مع التراث ليس من الضروري أن تكون بالزخم نفسه، ولا على المستوى نفسه في مختلف أقاليم الثقافة العربية، فمن الضروري أن يكون هناك تقبل للتفاوت واعتراف بأسبابه الجغرافية وخلفياته التاريخية والاجتماعية. وهذا التفاوت والاختلاف بين مراكز الثقافة العربية طبيعي وله شواهد تاريخية، فالأندلس العربية في مرحلة معينة كانت أكثر تقبلاً للتراث الإغريقي والفلسفة اليونانية من كثير من حواضر المشرق، وقدرة الثقافة العربية على التعرف على جاراتها الفارسية والهندية في القرنين الثاني والثالث الهجري، لم تعد بنفس الكفاءة في القرنين السابع والثامن. 

مستشار في شؤون التعليم والثقافة، مدير جامعة الطائف سابقاً

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©