الأربعاء 29 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
فلسفة البرنامج الفضائي الإماراتي.. رؤية أبعد من «الكوكب الأحمر»
فلسفة البرنامج الفضائي الإماراتي.. رؤية أبعد من «الكوكب الأحمر»
2 يونيو 2022 01:16

الفاهم محمد

في سياق الثورات العلمية التي تعرفها الألفية الثالثة، تتوجه الأنظار غالباً إلى التحولات التي تحدثها الثورة الرقمية، والتغيرات التي تجرنا إليها الهندسة الجينية، في فهم الحياة والتحكم في طبيعة الكائنات الحية. غير أن هناك ثورة أخرى لا تقل أهمية عما سبق، وهي ثورة غزو الفضاء التي تعرف انطلاقة هائلة في العقود الأخيرة. بعد الانطلاقة الأولى التي عرفتها خلال سنوات الخمسينيات من القرن الماضي. بيد أننا اليوم لا نتجه لغزو الفضاء، بحثاً عن الفخر والمجد كما في السابق. بل بدوافع أكثر موضوعية، تهدف إلى استكشاف الفضاء الخارجي، والإجابة عن أسئلة، مقلقة تتعلق بمستقبل الأرض ومصير الإنسان. وتبرز دولة الإمارات العربية المتحدة، كلاعب جديد في هذا الميدان، ببرنامج فضائي شامل ومتنوع، يبدأ من صناعة الأقمار والمسابير، مروراً بتكوين وإعداد رواد الفضاء، ووصولاً إلى بناء مستوطنة بشرية على المريخ.
انطلق البرنامج الفضائي الإماراتي سنة 2006 ولكن رغم حداثته، إلا أنه استطاع أن يحقق الكثير من المنجزات، بفضل المجهودات الجبارة التي تبذلها المؤسسات والمعاهد المسؤولة عن هذا القطاع وعلى رأسها وكالة الإمارات للفضاء UAE SPACE AGENCY، وهي الهيئة التي أنشئت سنة 2014 كي تشرف على كافة الأنشطة والبرامج المخصصة للفضاء الخارجي. ثم هناك مركز محمد بن راشد للفضاء، الذي تأسس سنة 2015 لدعم مشاريع الدولة في قطاع الصناعات والأبحاث الفضائية، وخاصة تصميم وإطلاق مسبار الأمل.
وأخيراً هناك أكاديمية الشارقة لعلوم وتكنولوجيا الفلك، الذي افتتحت أيضاً سنة 2015 وهيو معهد تابع لجامعة الشارقة، مهمته نشر وتعميم الثقافة العلمية الفلكية، سواء داخل الإمارات أو خارج الوطن العربي بشكل عام. وتوجه هذه الأكاديمية أنشطتها لكافة الشرائح والمراحل العمرية. ومن أهم أقسامها نذكر القبة الفلكية، والحديقة الكونية، ومعرض الفضاء والكون.
وإضافة إلى ما سبق وفي إطار التعاون الدولي للإمارات في مجال الفضاء، افتتح سنة 2015 المركز الوطني الفرنسي للدراسات الفضائية CNES مقراً له في أبوظبي متوجاً جهود التعاون بين البلدين في مجال تكنولوجيا الفضاء. وتجدر الإشارة إلى أن هذا المركز الفرنسي وهو أكبر مؤسسة فرنسية وأوروبية مخصصة للأبحاث الفضائية تأسس منذ 1961 وإليه يعود الفضل في كل ما أنجزته فرنسا إلى حد الآن في مجال الفضاء. بل إن الإمارات وفي سياق انفتاحها المعهود تربط شراكات متنوعة، مع مختلف الجهات والمؤسسات الفضائية. ولديها على سبيل المثال شراكة مع وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» واتفاقيات مع وكالة الفضاء الروسية، وكذلك تعاون استراتيجي مع وكالة الفضاء الأوروبية.

  • هزاع المنصوري
    هزاع المنصوري

الرؤية والأهداف
إن الفلسفة العامة التي تحكم البرنامج الفضائي الإماراتي، هي التخطيط لمجتمعات ما بعد النفط. فإذا كانت كافة الدراسات الاستراتيجية، تشير إلى أن البترول كطاقة أحفورية سينضب في المستقبل، فهذا معناه أن على المجتمعات الخليجية أن تفكر منذ الآن في مشاريع مستقبلية، تمكنها من استثمار الثروة النفطية في ما ينفع الأجيال القادمة. ولاشك أن الاهتمام بالثورة التكنولوجية بصفة عامة، وثورة علوم الفضاء بصفة خاصة، هو ما سيمكن هذه المجتمعات من أن تلعب في المستقبل دوراً ريادياً، وخاصة أن ثروة الأمم في المستقبل، لن تقاس بالذهب أو المعادن، بل بالمعرفة والبيانات، فمن يمتلك العلم والمعرفة هو من سيمتلك القوة والسيادة.
وقد بدأت المحاولات الأولى للأنشطة الفضائية الإماراتية، كما ذكرنا سابقاً، بتأسيس مركز محمد بن راشد للفضاء سنة 2006 باعتباره الجهة المسؤولة عن مجمل هذه الأنشطة، التي بدأت بإطلاق القمر الصناعي «دبي سات1» من أجل مراقبة الأرض. وبعد ذلك جاء دور «دبي سات 2»، و«خليفة سات» وهو أول قمر إماراتي صنع كلياً بسواعد إماراتية، مخصص لمراقبة الأرض وجمع البيانات.
كما يتضمن البرنامج الفضائي الإماراتي، إعداد وتدريب رواد فضاء، وتكوين فريق وطني على مستوى تقني عالي الجودة، وإرسالهم إلى الفضاء الخارجي. وقد توج هذا البرنامج كما هو معروف، بإرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى محطة الفضاء الدولية سنة 2019 وهو هزاع علي المنصوري ابن منطقة الوثبة، الذي وقع عليه الاختيار من بين 4000 مترشح. طيار عسكري وخبير معلوماتية. وقد وصل إلى المحطة على متن المركبة الفضائية الروسية سويوز، التي انطلقت من منصة الإطلاق يوري غاغارين في بايكونور، وقضى ثمانية أيام على هذه المحطة. قام فيها بإجراء تجارب علمية مرتبطة بمراقبة الأرض وجمع البيانات.
وإلى جانب هزاع المنصوري كان هناك أيضاً رائد الفضاء الإماراتي الآخر، وهو سلطان النيادي ابن مدينة العين. رجل المهمات الصعبة، في حال وقوع أي طارئ.
ويتوسع البرنامج الآن كي يشمل ضمن مقاربة النوع إشراك أول رائدة فضاء عربية، هي نورا المطروشي، مهندسة ميكانيكية، ابنة الشارقة وقد تم قبولها للتدريب في مركز جونسون، التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا» إلى جانب زميل آخر هو محمد الملا.

مسبار الأمل  
وبالإضافة إلى ما سبق يتضمن هذا البرنامج، مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ. وهنا لابد أن نتحدث عن «مسبار الأمل» الذي أطلق إلى الكوكب الأحمر سنة 2020 انطلاقاً من منصة الإطلاق تانيغاشيما اليابانية، وهو المسبار الذي تم بناؤه في مركز محمد بن راشد للفضاء، بمساعدة جامعات أميركية مثل جامعة كولورادو وأريزونا، وجامعة كاليفورنيا ببركلي. وقد أرسل هذا المسبار من أجل دراسة أحوال الطقس في الأغلفة الجوية للكوكب الأحمر، وكذا الأسباب التي جعلت هذا الكوكب يفقد طبقاته المناخية. ومسبار الأمل إنجاز عربي غير مسبوق، فهذه أول مرة تحقق فيها دولة عربية إنجاز الوصول إلى الكوكب الأحمر. بل إن الإمارات هي خامس وكالة فضائية على مستوى العالم، تتمكن من تحقيق ذلك. وتوقيت وصول مسبار الأمل إلى مدار المريخ سنة 2021، له دلالة رمزية كبيرة، لأن هذا التاريخ يتزامن مع الذكرى الخمسين، لتوحيد الإمارات السبع داخل اتحاد واحد، هو الإمارات العربية المتحدة.

  • أطفال الإمارات والفخر بالإنجاز العالمي
    أطفال الإمارات والفخر بالإنجاز العالمي

آفاق جديدة
وقد غرد آنذاك صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» قائلاً: «إرسال أول صورة للمريخ بعدسة «مسبار الأمل».. بشرى خير، وفرحة جديدة.. ولحظة فارقة في تاريخنا، تدشن انضمام الإمارات إلى نخبة دول العالم المتقدمة في استكشاف الفضاء.. إن شاء الله تسهم هذه المهمة في فتح آفاق جديدة في عملية اكتشاف الكوكب الأحمر تعود بالخير على البشرية والعلم والمستقبل». كما أشادت كذلك وكالة «ناسا» الأميركية بهذا الإنجاز غير المسبوق، الذي حققته الإمارات. وقد هنأ توماس زوربكن مساعد مدير إدارة المهمات العلمية في الوكالة، في تغريدة له قائلاً: «إن مسعاكم الجريء لاستكشاف الكوكب الأحمر، سيلهم آخرين بالوصول إلى النجوم». واهتمام الإمارات بالكوكب الأحمر، لا يتوقف فقط عند حدود الاستكشاف. بل هو يتعدى ذلك إلى طموح أكبر، وهو بناء مستوطنة بشرية فوق هذا الكوكب، ضمن مشروع المريخ 2117 وهو مشروع هائل يرمي إلى محاكاة بيئية أرضية بكل ما تقتضيه الحياة الإنسانية، فوق كوكب تسوده في الأصل بيئة غير مواتية.
كما تعتزم الإمارات أيضاً خلال السنة الجارية، وبتعاون مع شركة يابانية إرسال أول مركبة جوالة من دون طيار، كي تدور حول القمر. والمركبة أطلق عليها اسم «راشد روفر»، وهي مكلفة باستكشاف منطقة مجهولة من القمر. وبذلك ستكون الإمارات رابع دولة تتمكن من إنزال روبوت فوق هذا الجرم السماوي، إلى جانب كل من أميركا وروسيا والصين.

مدينة المريخ
كما يمكننا الحديث كذلك عن مدينة المريخ العلمية MAES SCIENCE CITY التي شرع في تشييدها السنة الماضية بضواحي دبي، بقيمة مالية ناهزت 500 مليون درهم. والمدينة ستكون جاهزة سنة 2024 وهدفها هو محاكاة الحياة على كوكب المريخ. وهذا المشروع التجريبي يدخل ضمن المخطط العام الذي وضعته الإمارات، والقاضي ببناء مستوطنة بشرية كاملة على المريخ بحلول عام 2117
لقد كان تحقيق هذه الإنجازات ثمرة للإرادة السياسية لحكام الإمارات، الذين أرادوا لهذه الدولة العربية أن تتبوأ لها مكاناً في مجال دقيق، كان إلى عهد قريب حكراً على الدول العظمى. وما يعكس هذه الإرادة الطيبة هو درجة الإنفاق على هذه المشاريع الفضائية. وحسب بعض الإحصاءات تضاعف هذا الإنفاق من 755 مليون دولار عام 2010 حتى وصل إلى ما يناهز 1.3 مليار دولار عام 2020.

  • كفاءات وطنية شابة في فريق مسبار الأمل (الصور أرشيفية)
    كفاءات وطنية شابة في فريق مسبار الأمل (الصور أرشيفية)

لماذا الفضاء !؟
قد يتساءل المرء، ولماذا الفضاء؟ ألا يجدر بنا بالأحرى الاهتمام بالأرض؟ الحال أن الاهتمام بالفضاء محكوم بسياق الحرب الباردة بين المعسكرين، اللذين كانا يبحثان عن فخر التفوق، والدعاية الإيديولوجية. أما اليوم فالاهتمام بالفضاء محكوم باعتبارات مغايرة تماماً. لقد تراجعت الاهتمامات السياسية لصالح أهداف أخرى، أهمها الأهداف الاقتصادية والعلمية والحضارية.
وبالنسبة لما هو اقتصادي، كلنا يعلم أن المعادن الأساسية التي نصنع منها حضاراتنا هي في طور النضوب. وإذن فلا شك أن الأجيال القادمة، لن تجد المواد الضرورية التي تمكنها، من صنع الحواسيب والهواتف والسيارات وغيرها. إن واحداً من الحلول المطروحة، يكمن في إمكانية جلب هذه المعادن من كواكب ونيازك أخرى. ولكي يتحقق هذا الغرض لابد من تطوير علوم الفلك/ الأسترونومي وبرامج غزو الفضاء، لأن هذا هو السبيل الوحيد، الذي سيمكننا من ضمان استمرارية حضارتنا.
وهناك أيضاً في الجانب الاقتصادي، مشاريع تطمح إلى استثمار الفضاء في منتوج سياحي جديد. فمشاريع السياحة الفضائية تتطور بشكل متسارع، وإذا كانت اليوم تقتصر فقط على كبار رجال الأعمال والمشاهير والمليارديرات، فإنها في المستقبل ستصبح، من دون شك، متاحة للجميع بتكلفة مناسبة. تجدر الإشارة إلى أن الإمارات، عقدت اتفاقيات شراكة وتعاون مع شركة فورجين كالاكتيك Virgin Galactic المملوكة لرجل الأعمال الشهير ريتشارد برانسون، من أجل الاستثمار في هذا القطاع الواعد، ألا وهو قطاع السياحة الفضائية.
أما بالنسبة للأهداف العلمية، التي تجعلنا نهتم ببرامج غزو الفضاء، فتكمن أساساً في تطوير البحث العلمي، واكتشاف ألغاز الكون والطبيعة. أو كما عبر عن ذلك مركز محمد بن راشد للفضاء في موقعه على الشبكة العنكبوتية، لابد من غرس قيمة الثقافة والبحث العلمي في الأجيال القادمة، وتمكين الإمارات من أن تكون حاضرة في كل البرامج والمشاريع الفضائية، سواء على المستوى العربي أو الدولي.
وعموماً، فإن الاهتمام بالفضاء الخارجي، سيعود حتماً بالنفع على الكرة الأرضية. مثلاً من خلال دراسة أحوال المناخ في المريخ، يمكننا أن نعرف بالضبط ما الذي يمكن أن يحدث للكرة الأرضية، في حالة التمادي في الإضرار بالأغلفة الجوية. إن قيمة المعرفة العلمية التي يتم جنيها في هذا الميدان لا تقدّر بثمن، ولذلك لا عجب إن كان البعض يتحفظ على استعمال لفظ «الغزو» عند الحديث عن الفضاء، ويفضل استعمال تعبير آخر وهو: «معرفة الفضاء».
وأخيراً، فإن الاهتمام بالفضاء، يظل في نهاية المطاف محكوماً بأسباب حضارية، تتعلق باستمرارية المغامرة البشرية في الوجود. وفي هذا السياق ذكر عالم الفلك السوفييتي الشهير كوستانتين تسيلوكوفسكي مقولته الشهيرة: «إن الأرض هي مهد البشرية، ولكن لا أحد يريد أن يمضي حياته برمتها في المهد». ومعنى هذا أن قدر الجنس البشري، سيكون بالضرورة التوسع في الفضاء، واستعمار الكواكب الأخرى، وضمان وجود مأوى آخر يلجأ إليه في حال حدوث كارثة، مهما كانت طبيعتها: بشرية مثل حرب عالمية ثالثة مدمرة، أو طبيعية مثل فيروس شرس وفتاك، أو اصطدام نيزكي غير متوقع بالأرض.
لنسلم أخيراً بأن تكنولوجيا الفضاء، تعمل على تنشيط كافة القطاعات الأخرى، سواء تعلق الأمر بالبحث العلمي في الجامعات، أو الميدان الصناعي أو الاقتصادي. فالفضاء محرك تنموي ورافعة تحديثية، لكل الميادين المعرفية والإنتاجية.
وخلاصةً، لم تعد تكنولوجيا الفضاء، حكراً على الدول التقليدية في هذا الميدان. بل إن دخول الفاعلين الجدد، أعطى دفعة جديدة للسباق نحو النجوم. وستتواصل ملحمة الفضاء الإماراتية بفضل المجهودات التي يبذلها القادة الإماراتيون. وبفضل العزيمة والتصميم، للعقول والسواعد الإماراتية، التي جعلت هذه الدولة العربية تتبوأ الريادة على الصعيد العربي، وتحتل اليوم، مكاناً خاصاً بين نادي الكبار في مجال غزو الفضاء. إن نجاح الإمارات في هذا الميدان، دليل على القوة الناعمة لسياساتها الاستراتيجية. وهكذا تتطلع الإمارات إلى اكتساح الفضاء، ولكن أقدامها ثابتة على الأرض.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©