الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
الجامعة والبحث العلمي
الجامعة والبحث العلمي
5 مايو 2022 00:52

د. عز الدين عناية

تعوّلُ المجتمعات المتقدّمة، وبالمثل المتطلّعة إلى تحقيق نقلة حضارية، على الجامعة، بوصفها المحطة الريادية المعنية بصناعة المعارف وإشاعتها بين الناس. فإلى جانب المهمّة التعليمية لتلك المؤسسة، فهي تضطلع بدور رئيس في البحث واجتراح مسالك المعارف، الأمر الذي يضعها في مصاف القطاعات الحيوية المنوط بعهدتها فتح الآفاق وصياغة الرؤى وإبداع الطروحات الجديدة. ولذلك تعوّل الدول الطموحة على الجامعة أيما تعويل في كسب الرهان الحضاري، برصد الإمكانات السخية، وتوفير المناخات الملائمة، تقديراً للدور الملقى على عاتقها، وإدراكاً لما تختزنه من نخب عالية الجودة والكفاءة وطاقات لا تحوزها فضاءات أخرى.
ويُفترض أن تتولى الجامعة في البلاد العربية هذا الدور، ولكن مؤسساتنا الجامعية، وأقصد حصراً بعض تلك المؤسسات المعنية بالعلوم الإنسانية والاجتماعية تحديداً، تبدو وكأنها مفرّطة في هذا الدور، أو غافلة عنه، أو مقصرة في بلوغه، مع محوريته في اجتراح التحول المنشود وبناء الرؤى الفكرية المستحدثة. فهناك العديد من التقاليد السائدة لدينا تحول دون تطوير البحث العلمي والنهوض به، وتقف مانعاً دون الانفتاح على تجارب الآخرين.

تواصُل علمي
وسأستعرض هنا جوانب مما يحيط بالدرس الجامعي في الغرب ساعياً إلى مقارنته بما لدينا. ولما كنتُ طالباً في جامعة القديس توما الأكويني في روما، وحديث عهد بإيطاليا، كنت أستغرب من الحراك الذي يميز جلّ الأساتذة، حيث يدرّسون في أكثر من جامعة وفي أكثر من دولة في آن واحد، إلى أن تنبّهت إلى أنّ المقصد المرجو من تجوال الأستاذ العلمي أن يكون على إلمام بآخر التطورات العلمية والبحثية في مجاله، بالتناظر والتواصل مع زملائه وأقرانه، بما يخلق جواً من التواصل العلمي الحي والدائم، ومن ثَمّ ليبلِّغ آخر مستجدات المعارف إلى طلابه.
ومما شدّ انتباهي في تلك المرحلة التكوينية، لمّا التحقت بالجامعة الغريغورية في مرحلة تالية، أن الجامعة كانت، ولا تزال، تحوي نقطة بيع كتب، هي بمثابة الواجهة والعرض في آن لآخر الإصدارات العلمية المنتقاة بعناية فائقة من المدونة العالمية التي تجعل الدارس على دراية بآخر الأبحاث والمنشورات. ولذا فما أن يصدر كتاب مهمّ في مجال من المجالات التي تعنينا حتى نجد مؤلِّفه حاضراً في رحاب الجامعة نسترشده ونجادله ونناقشه، وهو أسلوب ذكي في خلق التقادح الفكري والتقابس المعرفي. 
وضمن هذا الحراك تضطلع الترجمة بدور محوري في التواصل العلمي وفي توطين المعارف الجديدة، ولذلك تولي الدول المتطورة في البحث العلمي عناية كبيرة لجلب المعارف الجديدة والاطلاع على تجارب الآخرين، رغم ما قد يتبادر من كفاية لديها بالتعويل على قدراتها وإمكاناتها.

الحراك والمواكبة
وعنصرا الحراك العملي للمدرّسين، والمواكبة الملاحقة لمعارف الآخرين غالباً ما لا تعيرهما أوساطنا الجامعية اهتماماً كبيراً. فهناك رتابة تخيّم على الأجواء الجامعية والمناهج والمعارف عندنا. ناهيك عن أن قلة من المدرّسين لهم أعمال منشورة في حقول تدريسهم، أو يزهون بأعمال علمية مقدَّرة منجزَة في الشأن. إذ يتوزع شق واسع من جامعيينا ضمن ثلاثة أقسام، سبق أن صنّفناها بأصناف النائم والسائم والهائم، في أحد مؤلفاتنا، ممن تمثّل الجامعة بالنسبة إليهم فضاء للوجاهة الاجتماعية أو لتحصيل الرزق لا غير. فهناك مسؤولية معرفية غائبة لدى كثيرين ممن يُحسَبون على الجهاز التعليمي الجامعي، يقابلها تبرُّم من التخلف والتردي الحاصلَين في الوسط الثقافي والمعرفي بشكل عام.

القضايا المجتمعية
وسأشير أيضاً إلى أمر آخر لفت انتباهي لما التحقت بجامعة «الأورينتالي» في نابولي، وهذه المرة مع بداية عهدي بالتدريس الجامعي في إيطاليا. فقد شدّني حينها التشابك الهائل بين القضايا المجتمعية والمشاغل المعيشية الحاضرة في الدرس الجامعي والمعالَجة فيه، ضمن قضايا الأدب والتاريخ والدين والاجتماع، والمتناوَلة في الرسائل الجامعية وفي الأبحاث التي يعدّها الطلاب. فهناك طابع براغماتي عملي شائع في أوساط الدارسين يسيطر عليه تساؤل الجدوى والنفع. وهذا السؤال غالباً ما كنّا نغفل عنه، أو نتحاشاه، إبان دراستي الأولى في جامعة الزيتونة في تونس. حيث قد تتصفح جرد الأطاريح والرسائل المنجزَة فلا تظفر سوى بالنزر القليل ممّا له صلة بمشاغل الحياة. ويقضي الباحث الجامعي السنوات في البحث في مسائل يفصلها بون شاسع عن الواقع ومن ثَم عن سوق الشغل، مما يربّي لدى الدارس تعويلاً على الدولة واتكالاً على الوزارة في ضمان لقمة العيش، وهو كسل مستفحل بين الخرّيجين الجامعيين الذين لم يأخذوا مصيرهم بأيديهم. ولهذا فأي معنى لدراسة اللغات الأجنبية والتخصص فيها، ونحن نحصي آلاف الخرّيجين غير المقتدرين في استثمار قدراتهم في الترجمة والإبداع والابتكار والتأليف بتلك اللغات؟ وقسْ على ذلك في مجالات أخرى شبيهة.

البحث والتطور
والحال أننا نَعي جميعاً أن ثنائية «البحث والتطور» هي ثنائية متلازمة، ولكنْ أنّى التفتَّ ترى نقصاً في التأليف والتصنيف والترجمة والصناعة المعجمية والموسوعاتية في الثقافة العربية. مع أنّ المقتدِرين على الإسهام في ردم تلك الهوة موجودون ومتوقفون لغياب الحوافز والدوافع والخطط الواضحة. وتقتضي حالة الجمود تلك ربط البحث والإبداع بالتسويق والترويج والتوظيف، وبالمثل تشجيع التنافس، بقصد إدخال حراك نزيه يحدّ من البطريركية ويقدّم المعرفي على الموالاة. 
وفي ظرفنا الحالي لا ننكر أن الجوائز العلمية والإبداعية قد لعبت دوراً حيوياً في تنشيط الكتابة والترجمة والبحث في مجالات متنوعة. ولذلك نتساءل أي مصير كانت ستواجهه الثقافة العربية والبحث العلمي لو لم تكن هناك جائزة الشيخ زايد للكتاب و«جائزة البوكر» و«جائزة العويس» وما شابهها من الجوائز؟ فمثل تلك الجوائز المرموقة حال دون «الموت الرحيم» للثقافة العربية، وبثّ أجواء حيوية واحتفائية بالمعرفة وصنّاعها. ولو أمعنّا النظر في مرامي البحث في العلوم الاجتماعية والإنسانية، نتبيّن أنه، بإيجاز، محاولة لتقديم إجابة وعرض طرح هو أقرب للواقعية وأبعد عن الذاتية، أي رؤية وضعية للقضايا المجتمعية والثقافية بغرض الإحاطة بالظواهر والوقائع وصياغة المفاهيم. 

فلسفة رشيدة
والحال أنّ منجزات العلوم الإنسانية والاجتماعية هي عبارة عن تلبية لحاجة المجتمع في إرساء هندسة اجتماعية قويمة وصياغة فلسفة وجودية رشيدة. وكلّما كانت مقاربة الأشياء أقرب إلى المعرفة العلمية كلما كانت الرؤية العامة أقرب إلى الصواب. فالبحث العلمي يواكب حاجة الناس ويعزز من قدرات فهمِ الذات والإحاطة بما حولها. إذ لا يمكن التطلع إلى خلق مجتمع متطور والثقافة المشتركة مسكونة بوعي أسطوري في قراءة الوجود وفي فهم ظواهر الحياة. ولذلك كانت عقلنة الرؤية الجماعية أول شروط النهوض المجتمعي. وكلما تحرر النظر والفعل من الاعتباطية كلّما كان السير صوب التقدّم بخطى ثابتة.

خيار ذاتي
وأثناء حديث جمعني بالمؤرخ الإيطالي ماريو ليفِراني، الفائز بجائزة الشيخ زايد (2014)، سألته كيف تسنى لك أن تنتج جملة من الأعمال المرجعية المقدَّرة على نطاق عالمي حول تاريخ المشرق العربي القديم؟ فأجاب بأنّ البحث العلمي هو خيار ذاتي قبل أن يكون تكليفاً من المؤسسة، يتحول الباحث بموجبه إلى راهب معرفي يعيش في بحثه ولبحثه لا همَّ له سوى إنجازه. والأمر ذاته سبق أن لمستهُ أيضاً في حثٍّ من عالم الآثار التونسي ذائع الصيت محمد حسين فنطر، حين كنا في مستهل التخصص في دراسة الأديان وكان يدرّسنا مادة أديان ما قبل التوراة. حيث قال إن كنتم تريدون الغوص بحق في هذا المجال ينبغي أن يأخذ ذلك من جهدكم ووقتكم 16 ساعة يومياً على الأقل، فتملّكتنا خشية ورهبة مما كنّا مقدِمين عليه!

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©