الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
«كودا».. الشعور الخفيّ أعمق من الصوت!
«كودا».. الشعور الخفيّ أعمق من الصوت!
5 مايو 2022 00:52

نوف الموسى

شاعرية البحر البعيدة، ألقت بظلالها على شخصية الأب «فرانك روسي»، الذي قام بدوره الممثل تروي كوتسور في فيلم «كودا»، الحائز جائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد، إلى جانب حصول الفيلم أيضاً على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، وأفضل كتابة لسيناريو مقتبس لعام 2022. وكانت تتسرب أصوات الأيادي والنَفَس في عمق التشابكات الحوارية، بين الأم «جاكي روسي»، التي قدمت شخصيتها الممثلة مارلي بيث، والابن الأكبر «ليو روسي»، وقد أدى دوره الممثل دانيال دورانت، والابنة الصغرى «روبي روسي»، وقدمتها الممثلة البريطانية إميليا جونز، وتعتبر الوحيدة التي تمتلك القدرة على السماع، بينما جميع أفراد عائـلتها من الصم.
وجاء تعبير «CODA» اسماً للفيلم، للدلالة على أن تكون جزءاً من عالمين، ليعكس حياة ما عايشتها «روبي» بين العالم المسموع ومجتمع الصم، أن تكون لغتك الأم، هي جذر لفرعين متضادين، أن تتحدث في الصمت الطاغي على الفضاء العام، وفي المقابل فإنك عبر اللغتين نفسيهما يتنازع ويتصارع في ذاتك ما تحتاجه وما تود فعله!

حساسية مفرطة
 ويظهر الفيلم القناعة الكاملة لكاتبته ومخرجته سيان هيدر بالتجربة الشعورية ومقدرتها على إحداث التواصل البشري العظيم، أن تكون واعياً بالشعور، دونما استخدام للغة المباشرة، إنها حساسية مفرطة، بمقدورها أن تفيض عن تطور مختلف للإنسان، غير الذي كنّا نعتاد عليه، ففي مجتمع عائلة «روسي»، لا تلحظ هنا فكراً معيناً أو ثقافة محددة أو حتى ديناً بذاته، أيّ أنها ليست ظاهرة كدلالات بصرية، بل هناك صفاء كامل في تطور الشخصيات، يتوقع المشاهد العديد من تلك التحولات، ولكنها لا تدفعه لنهاية محددة، فهو يظل متمسكاً باستمرارية حكاية عائلة تعمل في مجال الصيد، في «غلوستر» وهي مدينة في ماساتشوستس بالولايات المتحدة الأميركية. 

  • مشهدية سينمائية من فيلم «كودا» (من المصدر)
    مشهدية سينمائية من فيلم «كودا» (من المصدر)

سرد بصري
يبدأ الصعود في الحدث الدرامي للفيلم، عندما تكتشف «روبي» موهبتها في الغناء، لتقف بين أن تستكمل دراستها في كلية مختصة بالموسيقى، وبين البقاء لمساعدة أسرتها التي كانت تعتمد بشكل كلي عليها لتتواصل مع العالم الخارجي. ويمكن القول: إن الدهاء في السرد البصري، هو مشاركة ثلاثة أبطال رئيسيين في الفيلم من الصم، يعبرون عن أنفسهم بشكل ما، حتى وإن كان فيلماً، فهم بالضرورة القصوى في كل مجرى للحدث داخل الفيلم، فعلياً لا يسمعون، فهم يحركون حالة من الذبذبات إذا صح التعبير، والطاقة الكامنة فيهم.
 ورغم الصراع الذي يبديه الابن الأكبر «ليو روسي»، في أنه بمقدوره أن يدير الأمور، وأن على أخته الاستمرار في البحث عن ذاتها، والوصول لما تريده فعلاً، إلا أنه في المقابل تجده يحمل القوة نفسها للتعبير عن ذاته، من خلال قوته وشجاعته، في الخروج من دائرة الراحة، والمضي قدماً لتطوير مشروع بيع السمك لعائلته، حيث كانت تتعرض مكاسبهم اليومية للاستغلال بسبب أنهم من الصم، ونظرة المجتمع غير المنصفة. وفي حديث يجمعه مع أخته «روبي»، أخبرها كيف أن عليها أن تتوقف عن عملية حمايتهم من العالم الخارجي، وأنه إذا لزم الأمر فإن على المجتمع أن يتعلم كيف يتعامل معهم، وهنا نتلمس بعمق حقيقة أن التطور لا يمكن أن يحدث دونما مواجهة تامة. 

مقاربة وجودية
هناك نحو دقيقة أو أكثر بقليل من الصمت في داخل الفيلم، هي اللحظة التي قدمت فيها «روبي» أغنية بالمشاركة مع زميلها في المدرسة على المسرح، بحضور الأهالي، وأرادت المخرجة من خلالها، أن تجعلنا أمام هذا الصمت التام الذي يشعر به أهل «روبي»، فلا شيء تماماً سوى التعابير. وكان الوالدان والأخ، يلاحظون تعابير الناس من أهالي الطلبة وتفاعلهم، في محاولة للتواصل مع ما تفعله «روبي» على المسرح، ولكن قوة الشعور التي ظلت المخرجة تدفع بها، هي اللحظة التي طلب فيها والد «روبي» أن تعيد له الأغنية التي قدمتها في المدرسة، بعد أن عادوا للبيت. لحظتها وضع والد «روبي» يديه في منطقة الحنجرة متلمساً رقبة ابنته وهي تغني، مستشعراً الاهتزاز القادم من تفاعل النفس والحنجرة والناتج عنه الصوت، إنها لحظة استثنائية لوصف حُب الأب، ومقاربة وجودية صعب أن تفهم في كثير من الأحيان، إلا من خلال تجربة طبيعة العلاقات الإنسانية، التي تمتد إلى دعم كوني فائض، لا يمكن تفسيره.

ظاهرة حاضرة
في مشهد مناقشة العائلة، لإمكانية أن تذهب «روبي» لدراسة الموسيقى، بعيداً عن مكان استقرار الأسرة، دافعت «روبي» بشكل قاطع عن رغبتها، مبينة أنها قضت حياتها، طوال 17 عاماً من عمرها، وهي تترجم لهم، وأنه آن الأوان للبحث عما تجيده وتبدع فيه، ونقطة الصراع الرئيسة هنا، هي ظاهرة حاضرة في معظم الأسر بمختلف الثقافات، حيث تأتي رمزية الصم والامتناع عن الإنصات، التي يبديها الأهل أو المجتمع، في كونها تجسد بمعنى ما الجدل التاريخي لماهية تحرر الأبناء وبحثهم عن ذواتهم.

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©