الثلاثاء 5 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
تهاني رمضان.. في تراثيات الأدب العربي
مصطفى صادق الرافعي
22 ابريل 2022 02:21

محمود إسماعيل بدر (الاتحاد)

يحل علينا شهر رمضان، ضيفاً عزيزاً، ليدخل البهجة والسّكينة والوداعة إلى القلوب، وخصوصا وأنّه يحظى بمذاق خاص، بحيث تمتزج فيه الرّوحانيات والصّوفيات الشفيفة مع عبق وقبس العادات والتقاليد والذكريات ذات الطابع التراثي المرتبطة بهذه المناسبة الجليلة، لذلك يستقبل الشهر الفضيل في مختلف البلدان والمدن العربية والإسلامية بحلّة زاهية، وتقام له الاحتفالات الدينية ابتهاجاً، وتنطلق المواكب ترحيباً، وتضاء المصابيح والأنوار والأضواء على واجهات المساجد والزوايا الدينية وفي الشوارع، ما يدهش الناظر ويسر الخاطر، في هذه الفضاءات يتبادل النّاس التّهاني ويرسلون التبريكات، ونجد أن أدبنا العربي قد حفل بالعديد من قصائد التهنئة، وفي مقطوعات نثرية بليغة، ومن هذه المقاطع ما كتبه الإمام جعفر الصّادق (699 – 765م): قائلاً: «الصوم جنة من آفات الدنيا، وحجاب من عذاب الآخرة، فإذا صمت فإنه بصومك كفّ النّفس عن الشّهوات، وقطع الهمّة عن خطوات الشياطين». 
وكتب الإمام الحسن البصري (642 – 728م) عن شهر الصيام، قائلاً: «إنّ الله تعالى جعل رمضان مضماراً لخلقه، يستبقون فيه بطاعته، فسبق قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا، فالعجب للضاحك اللاّعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون، وخاب فيه الباطلون، في شهر شرّفه ربّ العالمين». 
أما الأديب والشاعر النبيل الصّاحب بن عبّاد (945 -995م) فأرسل قطعة نثرية يهنئ فيها أحد الأمراء بمقدم شهر الطاعة والغفران، جاء فيها: «كتابي أطال الله بقاء الأمير، غرّة شهر رمضان، جعل الله أيامه غرّاء، وأعوامه زهراء، وأوقاته إسعاداً، وساعاته أعياداً، وأتاه في هذا الشهر الكريم مودّة ومأتاه أفضل ما قسم فيه لمن تقبل أعماله فبلغه آماله». 
ومن القطع النثرية الجزلة ما كتبه أبو الحسن سعد مهنئا أحد الولاة بحلول شهر الصيام، قائلا: «جمع الله لمولاي في هذا الشهر الشريف شروط آماله، وأحكام أماليه، في حاضر أمره وعاقبته، وعاجل دنياه وآخرته، وأبقاه لأمثاله بقاء لا يتناهى أمده في ظل عيش يرضاه ويحمده».
 ونقرأ في السياق من الأدب العربي الحديث تهاني لعدد من كبار الأدباء، ومنهم مصطفى صادق الرافعي الذي قال: «شهر هو أيامه قلبية في الزمن، متى أشرقت على الدنيا قال الزمن لأهله: هذه أيام من أنفسكم لا من أيامي، ومن طبيعتكم لا من طبيعتي، فيقبل العالم كله على حالة نفسية بالغة السّمو، يتعهد فيها برياضتها على معالي الأمور ومكارم الأخلاق، ويفهم الحياة على وجه آخر غير وجهها الكالح، ويراها كأنما أجيعت من طعامها اليومي كما جاع هو». 
وعبّر الأديب محمود عباس العقاد (1889 – 1964م) عن شهر رمضان، بقوله: «رمضان شهر الإرادة، أدبه أدب الإرادة، وليست الإرادة بالشيء اليسير في الدين وما الخلق إلا تبعات وتكاليف، وعماد التّبعات والتكاليف جميعاً أنها تناط بمريد، ومن ملك الإرادة فزمام الخلق جميعاً في يديه»، وفي النثر الأدبي الإبداعي كتب رائد القصة القصيرة والروائي يحيى حقّي (1905 – 1992م) في غرائب الصائمين وتناقض بعضهم فيقول: «في ليلة الرؤية وهلالها ليس كبقية الأهلة، يظهر خطفاً لا ليضيء، بل ليومئ ثم يغيب، لا أخليه من ميل للدلال والمعابثة، شأن كل ما هو مزهو بجماله برغم جلاله، يتجه ذهني بودّ وحنان إلى صديق، أمثاله من حولي كثيرون، وأقول في سرّي: تباركت يا شهر الصيام، ما أقوى سحرك، وما أكبر حربك، تمرّ على هذا الصديق مواقيت الصلوات الخمس، فلا يعرف له يومه ركوعاً وسجوداً، ليس هذا صديقي الذي أعرف، فصديقي يصوم رمضان كل عام منذ أن كان في سنّ الثامنة، لا يخجل من إغفال الصلاة، ولكنه يخجل كل الخجل من إغفال الصيام».

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©