الأحد 23 يناير 2022
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
مسرح شكسبير.. وإعلاء قيم التّعايش والسّلام
مشهد الشرفة من رائعة «روميو وجولييت» (من المصدر)
الخميس 6 يناير 00:14

محمود إسماعيل بدر (عمّان)

كتب الشاعر المسرحي الإنجليزي الأشهر وليم شكسبير (1564 - 1616) رائعته «روميو وجولييت» عام 1597، ولم يدر بخلده أنّها ستكون مصدر إلهام عالمي حتى اليوم، فقد نهل منها كتّاب ومفكرون وشعراء وفنانون أعمالاً ما زالت تخلّده كاتباً من طراز خاص كرمز من رموز فكر وفن عصر النّهضة، وذلك لشمولية وإنسانية موضوعها لجهة تأثير الرومانسية في الطبيعة البشرية في كل مكان، إلى جانب تقنية كتابة النص الشعري الذي تندمج فيه الكوميديا بالتراجيديا مع الرومانسية، وكانت هذه بداية لنوع جديد من المسرح لا يزال حيّاً حتى الآن.
وينفرد شكسبير في «روميو وجولييت» بتقديم قصة حب عبر المستحيل، عن«حبيبين عدوين» عاشا في مدينة «فيرونا» التي تعاني بغضاً وصراعاً موروثاً محتدماً بين اثنتين من أشهر عوائلها هما عائلتا «مونتاغيو» و«كابوليت» حيث تجرأ شاب في السادسة عشرة من العمر «روميو» للدخول خلسة إلى حفلة للطبقة العليا من مجتمع المدينة، أقامتها عائلة «كابوليت» المعادية لعائلته، وشاهد بالصدفة «جولييت» ذات الأربعة عشر ربيعاً، والتي تخطط عائلتها لتزويجها بأمير من عائلة حاكم المدينة. ومن نظرات سريعة متبادلة وإعجاب سحري، يعرف الاثنان أن ما يجمعهما هو الحب العميق والمصير الواحد، حتى يلتقي العاشقان المراهقان عند شبّاك القصر في عالم وردي ساحر ويقرران الزواج، وينجحان في إتمامه في اليوم التّالي، إلى أن تحدث معركة بالسيوف يضطر فيها «روميو» إلى قتل «تيبوليت» ابن عمّ جولييت!

نهاية حزينة
 ولهذا يقوم حاكم المدينة بإصدار قرار بنفي «روميو» إلى خارج المدينة، ولكن أحد رجال الدّين يقترح خطّة معقدة على «جولييت»، كي تلحق بحبيبها، وهي أن تتناول مادة تجعلها مغشياً عليها بطريقة تعطي الانطباع بأنها ميتة لفترة محددة، كي يلغى زفافها من الأمير، ويأتي «روميو» في موعد استعادتها وعيها ويأخذها معه إلى خارج المدينة التي أصبحت بالنسبة لها صادمة ورافضة، ولكن الخطّة تفشل، وتنتهي قصة الحب الرومانسية الحزينة بانتحار«روميو» بالسّم، وكذلك انتحار«جولييت» بطعن نفسها بخنجر كان يحمله حبيبها في حزامه. وأمام فجيعة موت العاشقين الصغيرين بهذه الطريقة، خيّمت ظلال الحسرة والنّدم على العائلتين، حتى تقررا تكريماً لتوحدهما النّبيل والتصالح وعقد صفقة سلام تاريخية.

ونقرأ شكسبير هنا من زاوية واحدة انفرد بها ككاتب تنويري استشرافي، وظّف بمهارة عالية تقنياته الكتابية في جعل فكرة الخلاص معادلاً موضوعياً (اصطلاح ابتدعه الناقد والشاعر الانجليزي ت. إس. إليوت، عبر مدرسة النقد الجديد - الأنجلو - أميركية) لإعلاء قيم التّصالح والتّعايش وثقافة السّلام، وإنهاء ما كانت تتسم به بعض العائلات من فكر متعصب ومتطرف، إلى حد «الظلامية الفكرية»، وتحويل ذلك إلى فكر إيجابي، وقد تبنّى هذا الفهم المترجم والناقد الأدبي المصري الدكتور محمد عناني، أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة، وأستاذ الدراما في أكاديمية الفنون، في دراسة نقدية تطبيقية معاصرة له حول مسرح شكسبير أكد فيها أن عظمة شكسبير تكمن في تجديداته وابتكاراته في المسرح، فهو أول من تناول «فكرة الحب العظيم» التي ترتفع برقيها عن مستوى الجسد، في «توحد» لم يسبقه إليه كاتب من أبناء عصره، مشيراً إلى أن توحّد روميو وجولييت بهذه الطريقة النبيلة، مثل أعلى درجات الشخصية الوطنية الصافية في تضحية الفرد من أجل المجموع، في إطار كتابة تحمل دلالات وصوراً فنية مبتكرة، ومفردات وتعبيرات مزدوجة المعنى في المدّ العاطفي الذي يمنحنا في النهاية طاقة إيجابية مستمدة من الحزن العميق للشخصيات.

قوة الحب
وفي التّحليل والمقاربة نجد أن شكسبير قدّم لنا شخصية «روميو» من تحت عباءة «الهاملتية» -نسبة إلى الأمير الدنماركي «هاملت» بطل أشهر تراجيدياته التاريخية التي كتبها بين عامي 1599 و1602 كشخصية فلسفية متشكّكة ووجودية، فكلاهما كان متمرداً، رافضاً محتجاً على راهنه. وهاملت كان يبحث عن الانتقام من عمّه كلوديوس الذي قتل والده واستولى على عرشه، و«روميو» المتمرد على تقاليد مدينته الصعبة في توظيف منفرد للمكان، بفارق واحد أن فكرة الانتقام عند الأخير تمثلت في خلاصه من نفسه في ظلال قوّة حبّ رومنطيقي كانت «جولييت» طرفاً رئيساً فيه، بل مثّلت تجديداً في شخصية المرأة آنذاك بما تملكه من إرادة الاختيار، وتحوّلت في النهاية إلى قوّة توفيقية أعادت إلى فضاء المدينة المعتم هارمونيته وتناسقه.
لطالما كان مسرح شكسبير عالمياً، فغير أنّه تفوّق على أقرانه في رسم وتصوير طبيعة النّفس البشرية، التي كان يضعها في اختبار أخلاقي حقيقي كحبكة رئيسة يدور حولها العمل المسرحي غالباً ما كان يتطرق أيضاً إلى ثيمة الصراع بين العاطفة والواجب، ثم اعتماده ثيمة «السببية والقدر» في مصائر الشخصيات، تحت مظلة سؤال كوني: هل نحن من نصنع أقدارنا، أم أقدارنا هي التي تتحكم في مصائرنا، بجانب ابتكاراته الفريدة في المسرح، على نحو مشهد الشرفة في روميو وجولييت، كأعظم «ديالوج» مسرحي في المناجاة الرومانسية.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©