الثلاثاء 30 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
الثقافة والإبداع والتراث: أسس الـ 50 عاماً القادمة
قصر الحصن
الخميس 25 نوفمبر 01:38

بقلم: محمد خليفة المبارك
استوطنت الجماعات البشرية منطقتنا منذ آلاف السنين مكونة حضارات عريقة أسسها أجدادنا الذين نستكمل اليوم إرثهم الحضاري عاملين على ترسيخ اتحاد إماراتنا، بالتزامن مع احتفالنا باليوبيل الذهبي لقيامه في محطة تاريخية مفصلية ننفتح فيها على فرص واعدة لمستقبل زاهر.
يجمعنا الثاني من ديسمبر في لحظة احتفالية تعكس اعتزازنا الوطني، وتترجم التزامنا عبر سلسلة من الفعاليات والأنشطة التي توحدنا معاً جميع أفراد المجتمع للوقوف على ما تم إنجازه خلال 50 عاماً فقط، واستشراف آفاق المستقبل.
كانت هذه رؤية قائدنا المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان «طيب الله ثراه». ولطالما تمحورت رؤيته الخاصة بدولة الإمارات حول الابتكار والتقدم بناءً على مجتمع متماسك ومنفتح. ولا تزال هذه القيم الركيزة الأساسية لأهداف التنمية السابقة والمستقبلية لدولة الإمارات عبر المجالات الاستراتيجية المتنوعة التي تشكل رؤية «مئوية الإمارات 2071»، وهي تتجلى بوضوح في المبادئ العشرة التي تم الإعلان عنها مؤخراً لمواصلة الدورة التنموية في كافة المجالات.
ويعطي المبدأ الأول الأولوية لقوة اتحادنا، بينما يحثنا المبدأ الثاني على «التركيز بشكل كامل على بناء الاقتصاد الأفضل والأكثر ديناميكية في العالم». ولكل قطاع وصناعة دورهما في تحويل هذا المبدأ إلى واقع ملموس.
وأعتقد أن الاستثمار في قطاعات الإبداع والثقافة والتراث في دولة الإمارات يشكل عاملاً جوهرياً لتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وخلق فرص مستدامة لأجيالنا المستقبلية.

  • متحف جوجنهايم أبوظبي (أرشيفية)
    متحف جوجنهايم أبوظبي (أرشيفية)

وقد أطلقت أبوظبي قبل 5 سنوات استراتيجية استثمارية تفوق قيمتها 30 مليار درهم إماراتي في الصناعات الإبداعية والثقافية. وبتنا اليوم نقطف ثماراً مذهلة على صعيد قوة وحيوية المنظومة الإبداعية والثقافية للإمارة - بدءاً من الحفاظ على المباني التراثية المهمة وتنشيطها، مثل قصر الحصن وبيت محمد بن خليفة، ووصولاً إلى توفير المؤسسات الثقافية الكبرى، مثل متحف اللوفر أبوظبي، وجذب إنتاجات الأفلام العالمية الرائجة مثل «مهمة مستحيلة» (Mission: Impossible) و«ديون» (Dune)، كما وأنه يصادف اليوم موعد إطلاق الفيلم الإماراتي «الكمين» من إنتاج «إيمج نيشن أبوظبي»، والذي يعد أكبر إنتاج سينمائي باللغة العربية في منطقة دول مجلس التعاون الخليجي.
ومع طرح غالبية استثمارات الصناعات الثقافية والإبداعية خلال السنوات الخمس المقبلة، سيتسارع نمو هذا القطاع بشكل أكبر قريباً، لا سيما مع إطلاق كيانات رئيسة، مثل «هيئة الإعلام الإبداعي» التي ستتولى الإشراف على الصناعات الإبداعية وتمكينها، و«المنطقة الإبداعية - ياس»، وهي حاضنة جديدة مخصصة بالكامل للمشاريع الإبداعية ورواد الأعمال. وتماشياً مع قيم الذكرى الخمسين لتأسيس الدولة، نحرص على التقدم الأمثل والمستمر في تطوير أعمال متحف زايد الوطني الذي سيروي قصتنا للعالم أجمع، وبيت العائلة الإبراهيمية الذي يحتفي بقيم التنوع والتفاهم، ومتحف جوجنهايم أبوظبي مع مجموعته الفريدة من الأعمال الفنية الحديثة والمعاصرة العابرة للحدود.
ولعل الحفاظ على الارتباط الوثيق بجذورنا العريقة، إلى جانب احتضان الابتكار والأفكار الجديدة، هو السمة الأبرز لدولة الإمارات - النهج الذي جعل البلاد تدرج أكثر من 10 تقاليد للتراث الثقافي غير المادي و4 مواقع تراثية على قائمة «اليونسكو» للتراث العالمي، فيما أصبحت أيضاً أول بلد عربي يصل إلى المريخ من خلال برنامج فضائي رائد.
ويتجذر هذا التكامل بين التقاليد والتقدم عميقاً في الصناعات الثقافية والإبداعية، وهو قطاع متعدد التخصصات بطبيعته نتبناه اليوم بشكل شامل، فيما تواصل الإمارة تطورها كمركز إقليمي يحتضن جميع أشكال الثقافة والابتكار. فعلى سبيل المثال، يُتيح إنشاء هيئة الإعلام الإبداعي للدائرة مزج المجالات الثقافية التقليدية، مثل التراث والمهن الحرفية والتصميم والنشر وفنون الأداء والفنون البصرية، مع مجالات متعددة التخصصات مثل الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والموسيقى الرائجة والألعاب والرياضات الإلكترونية.
وأنا متحمس بشكل خاص حيال مبادراتنا الرامية لدعم القطاعات المرتكزة على الإبداع مثل تطوير ألعاب الفيديو، فهي توفر الفرصة لسرد قصص شيقة من المنطقة وعنها، والأهم من ذلك أنها تفتح الأفق واسعاً لمجموعة جديدة من المسارات المهنية لشريحة الشباب. فمثلاً: عبر شراكتنا مع «يونيتي تكنولوجيز»، نقوم بتدريب الطلاب على الترميز وإنشاء نماذج ثلاثية الأبعاد بالوقت الحقيقي يمكن استخدامها لتطوير التطبيقات والألعاب، كما تم رفد أكثر من 200 صانع أفلام طموح بالتوجيه اللازم لكتابة أو إخراج أفلام قصيرة حائزة  جوائز في استوديو الفيلم العربي.

  • متحف اللوفر أبوظبي
    متحف اللوفر أبوظبي

اجتذاب المواهب العالمية
ومن خلال استثمارنا في الصناعات الثقافية والإبداعية، من المتوقع أن توفر أبوظبي آلاف فرص العمل المستدامة الجديدة، وتجتذب المواهب العالمية، إلى جانب صقل مهارات المقيمين. ونسعى اليوم - أكثر من أي وقت مضى - لضمان تسهيل إطلاق الأعمال الإبداعية والوصول إلى الدعم والمواهب اللازمة لتحقيق النجاح طويل الأمد.
وتستهدف جهودنا الراسخة في هذه المجالات بشكل رئيسي المواهب الشابة ممن اختاروا دولة الإمارات وطناً لهم. وبهذه الطريقة نعزز إمكاناتنا، ونحول أبوظبي خصوصاً، ودولة الإمارات عموماً إلى وجهة عالمية رائدة للجيل المقبل من الخبراء الإبداعيين. وتستند هذه الصناعات إلى المخيلة الإنسانية، إذ يتّقد الإبداع والابتكار في العقول الشابة المتميزة التي توفر وجهات نظر جديدة ومنفتحة بشأن أبرز القضايا العالمية. وتساعد هذه الصناعات في مد جسور الحوار بين القطاعات، ومعالجة المواضيع الملحة مثل التكامل الاجتماعي، والتوظيف، والتعليم، والتغير المناخي. ويتعين علينا مواجهة هذه التحديات عبر التفكير الطموح والجانبي اللذَين يستخدمهما المتخصصون الثقافيون والإبداعيون يومياً، وإرساء محدثات مشابهة في المدارس والجامعات وأماكن العمل والبيوت والمجالس عبر دولة الإمارات. وعلى الرغم من التحديات التي واجهتنا خلال العامين الماضيين، لا يزال شباب المنطقة متفائلين حيال المستقبل، إذ يعتقد 60% منهم بأن أيامهم القادمة أفضل. وبرأيي، فإنّ مسؤوليتنا الجماعية تحتم علينا كقادة أن نكون أهلاً للتحدي ونساهم في خلق الفرص لأجيال المستقبل لتمكينهم من تحقيق الازدهار، والتعبير عن أنفسهم، وتطوير مسيرتهم المهنية وسط اقتصاد مستدام. ولا شك في أن الاستثمار في حفز صناعاتنا الثقافية والإبداعية والتراثية يشكل عاملاً جوهرياً في تحقيق هذا الهدف.
رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©