الخميس 2 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
سُكنى الفضاء.. ليست خيالاً علميّاً
سُكنى الفضاء.. ليست خيالاً علميّاً
الخميس 28 أكتوبر 01:03

ترجمة وإعداد: د. عزالدين عناية

ماذا يعني اليوم أن تشارك دولة في غزو الفضاء وتصرّ على امتلاك آخر الإمكانيات والقدرات في هذا المجال؟، الأمر ليس مجرّد بذخ علمي كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل هو صنع للمستقبل وإدراك عميق لمسارات التاريخ، ومن حسن الحظ في هذا الزمن الصعب الذي تمرّ به منطقتنا العربية أن العرب لم يبقوا خارج هذا السباق، بل استطاعت القدرات العربية ممثّلة في دولة الإمارات العربية المتحدة أن تحقق نتائج مشرفة بإمكانيات ذاتية وبقدرات محلية، وهو ما يبعث الأمل ويعزز الثقة في العقل العربي.
في هذه المقالة تحاول الفيزيائية والصحفية الإيطالية سيلفيا كاميساسكا تتبع مخطط الإنسان لتغيير محلّ سكناه ومغادرة مهده الأول نحو آفاق أخرى، ربما كان الأمر من باب الخيال والشوق والحلم، ولكن الأمر في عصرنا أضحى واقعاً ملموساً لا يحتاج سوى مزيد من الكدّ والجهد لبلوغه.
«الأرض هي مهد الإنسان، ولكن لا أحد بوسعه أن يبقى دائماً في المهد»، كانت تلك الكلمات التي حفّزت الفيزيائي الروسي قسطنطين تسيولكوفسكي مخترع الصواريخ (1890)، وقد حوّل بيته إلى مختبر للديناميكا الهوائية، وقد استُقبل الرجل في المنتديات العلمية بريبة، وعُدَّ في ذلك الزمن أقرب إلى المجانين منه إلى العقلاء! ومع ذلك لم يتوقّف عن عرض نظرياته الحالمة عن المحطات الفضائية، والصواريخ، التي تخترق المجال الفلكي وتأخذ البشر في جولة كونية، فهو عصامي التكوين، هجر المدرسة وهو في سنّ الرابعة عشرة بسبب الحمى القرمزية التي سبّبت له الصمم، واستطاع أن يستلهم من رواية «برج المدار» لجُول غابريال فيرن عالمه الفضائي المتخيَّل. ولكن «حالم كالوغا» بعبارة نيكولا رينين، هو عالم رياضيات وفيزيائي، في منتهى الصرامة: يقوم في مستوى أول بحساب السرعة اللازمة للمركبة الفضائية حتى تحقق الجاذبية المطلوبة وتبلغ النجوم، وعلى شاكلته نصادف في التاريخ عديد الشخصيات مثل ليوناردو دافينشي ونيكولا تيسلا وويرنهر فون براون، ممّن تمكنوا من خوض رحلة في الزمن يشحذهم الخيال الخلّاق. 
يَعرض فون براون، وهو مخترع أوّل صاروخ حامل لرواد الفضاء على سطح القمر، في «مشروع المريخ» خطّتَه لغزوِ الكوكب الأحمر بوساطة أسطول من المراكب الفضائية، محوّلاً الأمر إلى رواية من صنف الخيال العلمي، وقد سبق للعالم الألماني الذي غدا مبدع برنامج الفضاء الأميركي، أن وصف بدقّة الحياة في المستعمرات الجديدة، متخيّلاً صواريخ ضخمة وقواعد مكتظّة بجيل جديد من العلماء والمهندسين وعلماء الأحياء.

تحوّل تاريخي
في واقع الأمر نحن في مستهلّ تحوّل تاريخي فارق على الصعد كافة، ولاسيما في مجال ديناميكا الفضاء والهندسة والاقتصاد، وبالخصوص في ما له صلة بالمكوث في عالم آخر، بعيداً عن كوكب الأرض، حيث يؤكد فيتوريو ناتي، وهو باحث في «المركز الدولي لهندسة الفضاء» في هوستن أنّ «استشراف المستقبل برحلات متخيَّلة هو خطوة مهمّة لبنائه، فالأمر يشبه خوض رحلة في مياه مجهولة، بغرض الوصول إلى هدف لم يره أحد»، ولهذا السبب تُدرَس في «سيكسا»، أكبر مراكز البحث العالمية في هندسة الفضاء، تكنولوجيات صواريخ الجيل القادم للبعثات الفضائية بطاقم بشري، لأن العيش والسُكنى في كوكب غير كوكبنا لم يعد شيئاً من صنع الخيال. 
ونحن منذ أكثر من عشرين سنة صرنا لا نعيش معاً على الكوكب نفسه، لأنّ عدداً من البشر في «محطة الفضاء الدولية» يقيمون في المدار بشكل دائم منذ عام 2000، ومنذ عام 2017 مع إطلاق برنامج أرتميس في وكالة «ناسا»، بدأ التخطيط لعودة الإنسان (ولأول مرّة امرأة) إلى سطح القمر، بغرض البقاء والمكوث هناك.
ولبلوغ هذا الهدف تمّ رسْمُ خريطة طريق تتوزّع على أطوار، تنطلق مع البعثة الاستكشافية الأولى في عام 2024 يليها إرساء الهياكل الدائمة مع العام 2028، وإذا ما كان التمشّي على سطح القمر هو جانب ممّا أنجزه البشر، فإنّ عمليتيْ السكنى والاستقرار تتطلّبان تجاوز سلسلة من التحديات، بدءاً من حسابات العامل الإنساني، من خلال وضع الفيزيولوجيا والسيكولوجيا البشريتين رهن الاختبار مع بيئة القمر التي تهزّ بشكل دائم التوازن النفسي والجسدي وكذلك العاطفي للبشر، فنحن أمام تحدّي إشعاعات وأشكال من الضغط ونقص في الأكسجين وغياب للوزن، ولا شيء مما هو خارجي متلائم مع الحياة، على الأقلّ الحياة البشرية، وكذلك لا شيء يعِين على العيش الهيّن للكائن البشري. 

أنظمة بيئية مصغرة
ولضمان البقاء في وسط مغاير، ينبغي على محطة الفضاء الدولية أن تنتج أنظمة بيئية مصغرة حاوية لسائر الضروريات التي تساعد علماء الفضاء على المكوث، وتقليص ما أمكن عمليات التزود من الأرض، وأنظمة الدعم الحيوي (أو أنظمة حفظ الحياة في قاموس «ناسا») هي في الوقت الحالي مقتدرة على تدوير نسبة مئوية مهمة ممّا على متنها، تقريباً مجموع 90 بالمئة من الماء و40 بالمئة من الأكسجين، وبالإضافة إلى ذلك يمكن تعويض الاستهلاك الدائم للموارد بوساطة التحكم في مواد على عين المكان، فهناك حلول لاستعمال رمال القمر ومياه الحقول القطبية لبناء قواعد السطح، على الطريقة نفسها التي يُخلَط بها الإسمنت والملاط، فأن نبنيَ على سطح القمر يعني ذلك إعادة ابتكار الهندسة، لا تقنيات البناء فحسب، وللذكر، في مستهلّ انطلاق برامج اكتشاف الفضاء، في عام 1960، انتدبت وكالة «ناسا» فريقاً متنوع التخصصات من الفنانين والمصمّمين والمهندسين لتخيل مستقبل الإنسان في الفضاء: «تَمثَّل الهدف في تجسيد وتفعيل ما تخيّله العلماء إلى حدّ تلك اللحظة».
تولّدت من تلك التجربة بعض المقترحات بشأن إنشاء كرات البينال وأسطوانات أونيل، وإلى حدّ هنا أُنشئت مدن مدارية عملاقة نظرياً قادرة على استغلال دورانها الذاتي لخلق جاذبية مماثلة لجاذبية الأرض، ومن جانب آخر صَمّم المهندس الروسي غالينا بالاشوفا محطات فضائية للوكالة السوفييتية، وغدت قدرة المهندسين والمصمّمين على تمثّل المستقبل مصدراً أساسيّاً لوكالات الفضاء، وأخيراً للشركات الخاصة العاملة في المجال، ففي نهاية الثمانينيات، صمّم مهندس «ناسا» غيتري غيتماخر «قبّة محطة الفضاء الدولية»، أكبر نوافذ المحطة لمشاهدة الأرض منها، وهي إلى اليوم أحد الأماكن المحبّذة لرواد الفضاء، التي يمكن قضاء وقت الفراغ المتاح أمامها في محطة الفضاء.
 
سياحة الفضاء
بعد ثلاثين سنة، كلّفت «ناسا» شركة «أكسيوم سبايس» في هوستن ببناء أول محطة فضاء تجارية، فدعت المصمّم فيليب ستارك لتخطيط الداخل، لتدشِّن «سبايس إيكس»، عبر الرحلات الخاصة، سياحة الفضاء، من خلال اصطحاب جيل من رواد الفضاء غير المتخصصين وغير المكلَّفين من قِبل الحكومات، وكما هو منتظر سيفتح هذا الإنجاز الباب على مصراعيه لثورة غير مسبوقة في تكنولوجيا الفضاء.
ليست القواعد الخاصة بالمريخ وأساطيل سفن الركاب الرابطة بين الأرض والأجسام السماوية المتخيّلة من قِبل فون براون حلماً بعيد المنال: إنها عتبة نحو عالم جديد في اكتشاف الفضاء، وهو أمرٌ يدعو جيل المهنيين إلى رسم خرائط ملاحة الزمن المعاصر، بحقّ تستفزنا كلمات عالم الفلك كارل ساغان التي دوّنها في «كوسموس»: «الاكتشاف في جبلّتنا.. بدأنا مثل المتسكعين ولازلنا.. لقد بقينا طويلاً على ضفاف المحيط الكوني.. أخيراً بتنا جاهزين للانطلاق نحو النجوم».
...............................................................................
* المقالة صدرت بصحيفة «أفينيري» الإيطالية  بتاريخ 19 فبراير 2021

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©