الأحد 28 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
صادق البهبهاني: الصدّيق باع أرضه كي يُنتج «بس يا بحر»!
خالد الصدّيق
الخميس 28 أكتوبر 01:03

عبدالوهاب العريض 

في الوقت الذي لم يكن فيه الخليج منتجاً للسينما، ذهب المخرج الراحل خالد الصدّيق إلى أقصى حدودها، وأصبح مخرجاً ومنتجاً للأفلام الخليجية الأولى، حيث بدأ بفيلمه القصير «عشرين دقيقة» عام 1964، معتمداً على التعليم الذاتي، ثم جاءت تجربته مع «علياء وعصام»، ولعب فيه دور المخرج والممثل والمصور في وقت واحد.. بدأ الصدّيق حياته التعليمية في الكويت ثم انتقل منها إلى الهند، ليدرس في مدرسة «سان بيتر» الإنجليزية، حيث تعلق بالسينما أثناء تلك الدراسة، وأصبح لديه شغف بالأفلام التي تعرض في دور السينما الهندية، فالتحق بمعهد سينمائي للدراسة في بومباي، وتدرب على التصوير الفوتوغرافي والجوانب الفنية لصناعة الفيلم السينمائي، وتعرف على الوسط الفني هناك، ما جعل موهبة الإخراج تتنامى قبل عودته للكويت في عام 1963.

تحدث صادق البهبهاني بكلمات غلب عليها حنين الصديق المقرب إى صديقه والتلميذ إلى معلمه، عن الممثل والمخرج السينمائي الكويتي الراحل خالد الصدّيق، بداية من تعرفه عليه قبل ما يزيد عن الاثني عشر عاماً، وحتى آخر مكالمة بينهما، التي كانت قبل ساعات قليلة من رحيله.
يقول البهبهاني: تعرفت عليه في عام 2008 تقريباً، حيث تواجد خالد الصدّيق في مهرجان الخليج السينمائي في دبي، ووقتها كنا مشاركين في هذا الحدث، وعلمت أن خالد موجود وسيتم تكريمه في المهرجان، فطلبت أن أراه وخاصة أنني لم أكن رأيته في الكويت من قبل، لعدم حضوره للفعاليات الفنية بسبب سفره في أغلب الوقت، فقابلته بصحبة مجموعة شباب، فقلت له: نحن جميعاً متأثرون بأعمالك وتجربتك الفنية خاصة في فيلمك الكويتي الأول «بس يا بحر»، الذي اضطررت إلى بيع أرضك كي تنتجه، وهو ما جعلنا نعشق الفن السابع ونفكر في صناعة أفلام قصيرة.

  • صادق البهبهاني
    صادق البهبهاني

اهتمامه بالشباب
يتابع البهبهاني: أتذكر أنه أعطاني الكارت الخاص به، وطلب مني التواصل معه بعد العودة للكويت، وبالفعل تحدثت معه بعد عودتي، وطلب أن يجتمع بالشباب من صناع الأفلام لرؤية أعمالهم، وأكد لي أنه سيدعو مجموعة من الفنانين والمثقفين لمشاهدة تلك الأعمال، وكان في مقدمتهم محمد المنصور وليلى العثمان والأديب الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، وكانت بالفعل جلسة شيقة ومفيدة، وكان الصدّيق حريصاً دوماً على مشاهدة أعمال سينمائية جديدة، وقد عرّفنا على أدباء وفنانين رحبوا بنا وأهدونا كتبهم ورواياتهم، وكنا حينها نعمل على الأفلام القصيرة، وكان يؤكد علينا ضرورة قراءة تلك الروايات التي من الممكن تحويلها إلى أفلام طويلة في المستقبل.
وأضاف البهبهاني: كنت حريصاً على أن أتواصل معه هاتفياً بين الحين والآخر، واعتدت قبل أي عمل فني أن أعرض عليه الـ«سكريبت»، لأستفيد من نصائحه، فقد كان قمة في التواضع.

شغف سينمائي
وحول ماذا تعني السينما لخالد الصدّيق، قال البهبهاني، إن السينما كانت حياته فكان لا يتابع التلفزيون إلا في القليل، كانت لديه سينما خاصة في بيته يشاهد عبرها كل الأفلام، وكان ينصحني دوماً بأن أشاهد جميع الأفلام بكل اللغات ولكل الجنسيات، لنتعرف على كافة المدارس السينمائية، حيث كان يعتبر السينما هي لغة الشعوب وكان يصف الأفلام القصيرة بأنها الأصعب لأنها تقدم الفكرة في دقائق معدودة، وكان من أفلامه القصيرة التي بدأ بها «وجوه الليل» و«علياء وعصام».
لم يكن الصدّيق يستهين بأعمال الشباب، وأذكر أنني حين عرضت عليه «سكريبت» أول فيلم لي كان حريصاً على مناقشتي في أحداثه، بل وصاغ معي عدداً من المشاهد، وبعد صناعة الفيلم قمت بإرساله له لأفاجأ به يسجل لي مقطعاً يعبر فيه عن سعادته وإعجابه بالفيلم، فقلت له إنني سأستعين بالفيديو في الحملة الترويجية، وخاصة أنني سأعرضه تجارياً وكان هذا هو الفيلم الكويتي الأول الذي يُعرض لي في السعودية، وكان سعيداً بالفيلم والنهضة الفنية التي بدأت تتحقق على أرض الواقع.
وعندما قمت بعمل ثاني فيلم لي وكان روائياً طويلاً، حرص على مشاهدته أيضاً وهو فيلم «خليني ساكت»، وقلت له إن الفيلم سيعرض في مهرجان البحر الأحمر السينمائي، وكان من أحلامي أن أشارك في مهرجان فني بالسعودية، خصوصاً أن الشباب السعودي بدأوا يصنعون أفلاماً جميلة أدخلتنا في دائرة المنافسة.

  • خلال تكريم الصدّيق والبهبهاني في الكويت (من المصدر)
    خلال تكريم الصدّيق والبهبهاني في الكويت (من المصدر)

وحول تعلم الفن والإخراج عند الصدّيق، قال البهبهاني إنه من خلال جلساته معه كان يشعر بأنه يجلس مع والده، فقد كان حريصاً على تقديم الفن الهادف وليس الممتع فقط، فقد كان ضد «فن المارفل» مثل أفلام سبايدرمان وغيرها، وكان ينصحني دوماً بأفلام هادفة مع التقليل من الحوار والاعتماد على الصورة، حيث كان يقول إن السينما صورة تنطق، كما أنها لا تعتمد على الحوار مثل أعمال الإذاعة والتلفزيون.

«محكمة الخليج»
كان الصدّيق يعشق أن تكون حركة الكاميرا في المشهد السينمائي محسوبة ودقيقة، بعيداً عن العشوائية، وقد علّمنا كيف نصر على تحقيق الحلم، والمتابع لتجربته الفنية، يدرك كيف كافح الصدّيق حتى صار اسمه ملء السمع والبصر، وكان كثيراً ما يتذكر حزنه عندما احترقت شرائط فيلمه «شاهين» خلال الغزو العراقي للكويت، ورغم ذلك ظل شغف السينما بداخله، كما اتجه لكتابة السيناريو باسم مستعار لمخرجين أجانب.
ويستطرد: كان الصدّيق قد اتصل بي هاتفياً في أكتوبر 2019، وقال لي إن هناك فيلماً وثائقياً سيقوم بعمله مع مجموعة من المنتجين والمخرجين في بعض دول آسيا، ويدور حول المحيطات في الكرة الأرضية، وطلب مني أن أشاركه في صنع هذا الفيلم، لكن للأسف لم يتم العمل، ولا أعلم حتى اللحظة طبيعة هذا العمل، وإلى أين انتهى؟
وأضاف البهبهاني، قائلاً: الصدّيق، رحمه الله، كان رائداً من رواد السينما الخليجية، وأنا شخصياً خسرته على الجانب الشخصي، فقد كان أكبر داعم لي، وكان يتحدث معي باستمرار، وسعدت كثيراً عندما اجتمعنا في حفل تكريمنا أنا وهو في مركز جابر الثقافي، فهو أسطورة بالنسبة للسينما الخليجية ولم يكن يعرف المستحيل، فكان ما يحلم به يسعى لتنفيذه مهما كلفه مادياً أو ذهنياً أو جسدياً، وكان من مؤسسي جمعية السينمائيين في الخليج.
 ويختتم البهبهاني: أذكر أن أول تمثيلية تحدثت عن تجار الكويت، كانت «محكمة الخليج»، بطولة سعد الفرج وغانم الصالح وآخرين، وكان أول من أقنع عبدالحليم حافظ بارتداء الغترة والعقال خلال تأديته أغنية «يا هلي يا هلي» خلال زيارة العندليب للكويت، وقد أخرج الصدّيق مسلسلاً واحداً في حياته، هو «قاتل أخيه»، حيث كان دوماً يفضل العمل على الفيلم السينمائي أكثر من المسلسلات.

  • بسام الذوادي
    بسام الذوادي

جمعتنا السينما والحياة 
بسام الذوادي، يقول: ما يقارب الثلاثين عاماً وأنا مع خالد الصدّيق، نلتقي ونجتمع ونسافر سوياً، أستضيفه في البحرين، ويستضيفني في الكويت، جمعتنا السينما والحياة الإنسانية وصنعت لنا ذاكرة مختلفة عن الآخرين، فقد كنا نتواصل بشكل شبه يومي أو أسبوعي، هذا الإنسان خلق صناعة سينمائية في منطقة الخليج وليس الكويت وحدها، هو شخصية لن تتكرر كإنسان بالدرجة الأولى، فقد حمل شغفاً وحكايات لا تنسى طوال هذه السنين، وستبقي أعماله خالدة في ذاكرة السينما الخليجية والعربية، خاصة أفلام «بس يا بحر، عرس الزين، وشاهين».

  • إبراهيم الحساوي
    إبراهيم الحساوي

بصمة فنية
قال إبراهيم الحساوي: في ذاكرتي سكن خالد الصدّيق من خلال فيلم «بس يا بحر»، الذي شاهدته مرات ومرات، وخلال تلك السنوات نحن نستمتع بأفلامه، لذا يبقى ظاهرة لن تتكرر، ندعو له بالرحمة، وكنت أتمنى تكريمه أثناء وجوده قبل الرحيل من خلال المهرجانات الخليجية والعربية، ولكن يبقى اسمه حاضراً كلما ذُكرت السينما الخليجية والكويتية بشكل خاص، من خلال تلك الروائع التي قدمها في منتصف الستينيات ومطلع السبعينيات وأهمها (عرس الزين، وبس يا بحر، وجوه الليل) وأفلام أخرى وضع من خلالها بصمته الفنية والفكرية، وساهم في أن يعلو اسم الخليج في المهرجانات العالمية، من خلال مشاركاته السينمائية في سبعينيات القرن الماضي.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©