الأحد 28 نوفمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
«السونا».. رسائل كونية
(تصوير أفضل شام)
الخميس 28 أكتوبر 01:03

نوف الموسى (دبي) 

لا يُمكن أن يمر «إكسبو 2020»، في دولة الإمارات، دونما أن ينتج عن هذا التلاقي العالمي لمختلف ثقافات العالم طوال الـ 6 أشهر، مجتمعات إبداعية متفردة، قادرة أن تستمر وتتمدد بفعلها الثقافي، إلى مبادرات فنية مشتركة، دورها الأساسي بيان التجربة اللافتة لإمكانية المزج بين الصلات الإنسانية النابعة من تاريخية الفنون، وتأثيرها في نشأة المكونات المجتمعية لمختلف البلدان والحضارات القديمة، فهل يُمكننا أن نتصور ماهية أبعاد العرض الحيّ للفنانة كارلا بيايرو، في جناح أنغولا، وهي تستخدم رمال الصحراء، لممارسة فن «سونا» المرتبط بإرث الرمزية وفلسفتها في أفريقيا، باعتبارها الأداة الأسمى في التواصل، وكيف يُمكن تفسير التجربة التفاعلية هنا في دبي، وتحويلها إلى مساحة للنقاش والتطوير.

فقد كانت أولى المُلاحظات التي قدمتها الفنانة كارلا بيايرو في حديثها لـ «الاتحاد»، أن الرسم على رمال الصحراء، أصعب بكثير من الرمال الشاطئية، فالأخير يُعد الفضاء الفني لـ سونا، العائد لسكان «Tchokwé» في شمال شرق أنغولا، اعتبرتها كارلا بيايرو رسائل كونية، تُرسم آنياً بالقرب من الشاطئ، تتضمن حالة سردية بصرية لعمق الموروث القصصي في أنغولا، وتبدأ من خلال «النقطة»، كعنصر أساسي وتقليدي وعالمي لكل خلق، فهي بداية لرحلة الاكتشاف، نحو ربط الأفكار والإيماءات، الذي أدى منذ العصور القديمة إلى الإبداع والابتكار، فالإنسان بحاجة للتعبير عن أفكاره، وكانت هناك التربة التي تحمل آثار قدميه، مستخدماً يديه لترك أثره في الرمال، وهو بذلك بحسب وصف كارلا نمّى قدراته على التركيز والإبداع، ما جعلنا جميعاً نتعمق في معرفة «التعبير الفني للأجداد».
خلال إحدى مراحل مسيرتها المهنية كفنانة، شعرت كارلا بيايرو بالتحدي من قبل الرموز الإفريقية من خلال اكتشافها للعمل البحثي الذي أجرته «Madame Clémentine Faik-Nzuji» في عام 1999، في عملها «الرموز الرسومية لأفريقيا السوداء»، مما دفعها للقيام بعمل تشكيلي حول التفسير الجمالي للرموز الأفريقية، وبعد فترة من قراءتها البحثية، وخلال إحدى معارضها الفنية، لاحظ الشاعر والكاتب الأنغولي Dr. Luís Kandjimbo، وهو يراقب أحد أعمالي، الطريقة التي أدمجت بها الرموز الأفريقية في أعمالها، ولفت انتباها نحو فن «سونا»، عبر إجراء مقارنة بين أعمالها ورسومات الرمال، وبالأخص تلك الممارسة الفنية لسكان «Tchokwé»، ومنذ تلك اللحظة بدأت بحثاً ببليوغرافياً حول الموضوع الذي أثار اهتمامها كثيراً وقادها إلى تعميق معرفتها بهذا المظهر الفني التاريخي.

وفي هذا السياق، قالت الفنانة كارلا بيايرو: من هناك بدأت في استكشاف هذه الرسومات بيانياً، لتفسيرها بشكل مرن لإعادة النظر في ديناميكيات «Sona» «سونا» الموجودة في عنصرين عالميين هما «النقطة» و«الخط»، ما يذهلني في هذه الرسومات هو هيكلها المكون من خطوط متصلة ومنحنية ومستقيمة وزاوية تعود على نفسها، وتشكل أشكالاً مجردة وهندسية، لكن في الواقع هذه الشخصيات التي لا علاقة لها بالواقع، تصور الأفكار والقصص وتنقل الرسائل الشخصية. 
تتعامل الفنانة الفنانة كارلا بيايرو مع تقنيات مختلفة باستخدام مواد مختلفة مثل الورق المعاد تدويره، والخيش، والحبال، والبلاستيك، والأصداف، والدهانات، وبالنسبة لمعرض «إكسبو 2020 دبي»، اقترحت معرضاً يصور رؤيتها في إعادة تفسير فن السونا: رسومات في الرمال، مبينة أن الحدث أتاح لها فرصة إظهار العلاقة بين تقليد الأجداد وتطبيقه في تقنيات البلاستيك الجديدة، وبهذه الطريقة، تعتزم إيصال ونشر وإعادة تقييم هذا الإرث الذي تركه الأسلاف، معتبرة أن أهمية هذه الرسومات في نقل الرسائل والتعاليم إلى المجتمع، بل ويفتح مجالاً واسعاً لتعريف بالأدب الشفهي لسكان Tchokwé، الذي لاقى اهتماماً كبيراً من الباحثين، في مجالات علماء الأنثروبولوجيا، وعلماء الأعراق، والموسيقيين، والمحللين النفسيين وعلماء الرياضيات، أبرزهم إميل بيرسون، من وصل في عام 1920، إلى أنغولا، وأنتج كتابات بحثية بعنوان «People of the Aurora»، نُشرت عام 1977، يوضح ويفسر فيها 71 رسماً في الرمال، تم جمعها خلال الخمسين عاماً التي عاشها بين «Nganguelas» - اسم مجموعة عرقية صغيرة تعيش في أنغولا - ملاحظاً أسلوب حياتهم، واهتم إميل بيرسون بالرسائل الروحية التي تم التعبير عنها في بعض رسومات سونا، مثل أسرار الكون والصلات بالأشياء غير المرئية في الحياة.

أوضحت الفنانة كارلا بيايرو أنه بين عامي 1945 و1955، أجرى Mário Fontinha عالم إثنوغرافي برتغالي بحثاً عن رسومات في الرمال في منطقة لوندا، ويعتبر عمله حتى اليوم الأكثر اكتمالاً من بين جميع الأبحاث، «Drawings in the Sand of the Quiocos of the Northeast of Angola»، الصادر في عام 1983 ويحتوي على 287 رسماً وأمثالاً وحكايات وقصصاً، تعاون خلالها مع عالم الأعراق البشرية José Rendinha الذي شغل أيضاً خلال هذه الفترة وظيفة المحافظ في متحف Dundu، الواقع في شمال شرق أنغولا، والذي تأسس في عام 1936، ممثلاً أول متحف إثنوغرافي في أنغولا.
من المحاور اللافتة ما ذكرته الفنانة كارلا بيايرو، أنه بين عامي 1965 و1973، درس الموسيقي والمحلل النفسي النمساوي جيرارد كوبيك موسيقى المجموعة العرقية في جنوب شرق أنغولا، وتحديداً في نفس المنطقة التي أجرى فيها إميل بيرسون أبحاثه. كما قام بتسجيل لرسومات الرمال لمجموعات «Luvale» العرقية في منطقة «Cazombo» في «Moxico»، و«Luchazi» في زامبيا لاستكشاف أوجه التشابه بين بنية «Sona» وأصوات الموسيقية الأفريقية، وأضافت الفنانة كارلا بيايرو أن جيرارد كوبيك أوضح في كتابه «Tusona - Luchazi Idéographs»، الذي نُشر في عام 1987، أن ممارسة Sona يعتبر حدثاً لوسائط متعددة يجمع بين التعبير الرسومي الماهر للغاية والأداء السردي، وتشبه هذه الممارسة بما نطلق عليه بالفنون الأدائية، لأن هناك تفاعلاً بين مؤدي الرسومات والجمهور، موضحاً أن السونا صممت لنقل الأفكار وتحفيز الخيال والتفكير المنطقي التجريدي وحتى التأمل.
استمرت الفنانة كارلا بيايرو في بيان الأثر البحثي، ودورها في إنتاج أعمالها البحثي، فقد استلهمت من كتاب إميل بيرسون العديد من القصص والسرديات، التي من شأنها أن تؤسس لحالة بصرية فريدة من نوعها، من بينها قصة الطائر «LINGUALI - The Big Bird»، وبحسب القصة فإنه يمثل الطائر الذي تحدث لمجموعة من الرجال، كانوا يعيشون في صراع مستمر، واقترح عليهم البحث عن رجل حكيم، يعلمهم كيفية العيش بسلام دائم في مجتمعهم، ومن هنا أعطي للطائر مكانة وحضور في الحكاية، وكذلك قصة «kinda»، التي تصور الرسمة فيه التلة أو الجبل المرتفع، المغطى بغابة كثيفة، عندما اندلع حريق فجأة فيها واختفى كل شيء، حيث يتم استخدام التعبير عن شخص ما أو شيء ما يختفي «باللون الأزرق»، أي ذهب للتو، ولا أحد يعرف إلى أين، والتي تعني أن الزوال يسود كل الحياة، وتفسر الفنانة كارلا بيايرو العمل بقولها: ما الذي يمكن أن يبدو أكثر استقراراً من جبل مغطى بغابة كثيفة؟ لكن فجأة تلاشت كل الأشياء التي وثقت بها. يبدو أنهم ذهبوا إلى الأبد وبدون تفسير واضح، ويوضح الرسم كيف تندلع النيران والرياح من جميع الاتجاهات ويتلاشى الرماد أخيراً ولا يوجد ما يظهر من أجله!

وربطت الفنانة كارلا بيايرو في حديثها عن قصة الجبل، وعملها الفني «Kalunga، O Infinito» الذي يراه الزوار ويتفاعلون معه في الاستوديو الفني بجناح أنغولا في إكسبو 2020، الذي يتضمن مفهوماً لخلق العالم بكل الكائنات التي كانت موجودة، وقالت حول التجربة: فعلياً العمل هو رمزية للكون، يُشرح فيه بداية العالم، نرى الخط العمودي وفي وسطه النقاط، جميعها مدروسة بعناية ودقة، وتعبر عن سرية تلك الرموز ومعانيها، أتذكر تماماً اللحظة الأولى التي ارتبطت بتلك النقاط، أثناء بحثي، وجلست أسأل نفسي لماذا هذا الارتباط العميق بيننا، وفعلياً فإن الناس في أنغولا تعرف عن تلك الرسومات، ولكنها لا تتحدث كثيراً عن الأمر، والدهشة الخاصة بتلك الرسومات هي في أنه ماذا يمكننا فعله من خلالها، كونها تقدم بعداً يتجاوز حس الرؤية الاعتيادية، ممثلةً احتمالات واسعة من النقاط، تأخذنا إلى عوالم ما وراء الصورة.

  • «السونا».. رسائل كونية

 

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©