الخميس 2 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
ساحر الموسيقى.. يُدَوْزِنُ إيقاعات الفضاء
ساحر الموسيقى.. يُدَوْزِنُ إيقاعات الفضاء
الأربعاء 27 أكتوبر 01:21

إبراهيم الملا 

انطلاقاً من مرجعية علوم الفلك المزدهرة في العصر الذهبي الإسلامي، يُدَوْزِنُ الموسيقار الهندي العالمي «إيه. آر. رحمن» إيقاعات التناغم الهندسي والمتناسق للفضاء، خصوصاً عندما تكون القُبَب المفتوحة في ليالي «إكسبو دبي 2020»، هي المنفذ السحري لاكتشاف الكواكب والمجرات ذات البعد الصوفيّ والبصري الملهم للشعراء والفلاسفة وعشّاق المعرفة بحدودها القصوى واللامتناهية.
وبلمسات أنثوية حانية تقود «المايسترا» اللبنانية «ياسمينا الصباّح» جوقة العازفات المطرّزة أناملهن بغبار النجوم لإيقاظ نشوة الموسيقى في الأرواح والنفوس من خلال «أوركسترا الفردوس» المختزنة لأصداء ماضٍ تاريخي مشرق، تتجلّي في أعطافه الرؤى المستقبلية لعالم جديد ومتعافٍ من الأوبئة والكوارث والحروب.
تحاور «أوركسترا الفردوس» الشغف العميق والمتجدد لاكتشاف الفضاء، باعتباره أفقاً مفتوحاً على التأمل والرصد والاهتداء بالعلامات السماوية، يستدعي ساحر الألحان الهندي «إيه.آر. رحمن»، منجزات الثقافة الإسلامية المنتمي لها، كي يعيد صياغة «علم الفلك الإسلامي» من منظور جديد ومتلائم مع طموحات «دولة الإمارات» في اكتشاف «المريخ» من خلال «مسبار الأمل»، والذهاب بعيداً في عمق مجرّة درب التبانة للاقتراب من كواكب أخرى ذات أهمية بالغة في المدونات والمخطوطات الإسلامية القديمة، وفي مقدمتها كوكب الزهرة.

فوسط عناق ملموس بين الصوت والصورة، تتسامى الأفكار الإبداعية للموسيقار «رحمن» حتى تكاد تلامس سقف الحلم، تماماً في النقطة التي تتقاطع فيها «الرؤية» مع «الرؤيا»، والتشخيص مع التجريد، والمعلوم مع المجهول، إنها النقطة التي تنبع منها مفردات الكون، دفعة واحدة، مثل شلّال من الضوء، وسط محيط معتم من التاريخ الإنساني السحيق.
تتحول النغمات المرهفة في «أوركسترا الفردوس» إلى كائنات من نور، تتجول في «حديقة اليوبيل» بـ«إكسبو دبي»، كي تشنّف الأسماع بإيقاعات ملائكية، لا تحتاج لترجمان، ولا تتوسل الكلمات لتبيان وتفسير سحرها المتناثر في السديم.
يستقي «إيه.آر. رحمن» ألحانه في الأوركسترا من تأثيرات دينية وآيات قرآنية غير منغلقة على ذاتها، بل هي مشرعة على التأويل المعرفي والتدبر الروحاني لهذه الآيات، وكما يرد في مدونات علم الفلك الإسلامي، فإن الكون تحكمه مجموعة قوانين مرتبطة بمفهوم التوحيد الإسلامي، فضلاً عن المكانة الكبيرة للمعطيات التجريبية عند العلماء العرب والمسلمين، والتي لم تكن شائعة في الحضارة اليونانية، فحس التجريب لدى المسلمين اعتمد على «نهج الرصد» بخلاف الفلاسفة اليونانيين القدامى مثل أرسطو وأفلاطون الذين لم يثقوا بالحواس، واعتبروا «العقل» الوسيلة الوحيدة الناجحة لفهم الطبيعة، لقد حث القرآن على الملاحظة والرصد والتأمل، وهو الأمر الذي قاد المسلمين إلى تطوير منهج علمي يتأسس على هذه العناصر المعرفية المهمة لقراءة المنظومة الكونية، ومقارنتها بظواهر المناخ والطقس على الأرض، وما يترتب عليها من نظريات جديدة وإسهامات مبتكرة في علم الجغرافيا والهندسة وعلم البيئة والبحار وغيرها.

لقد احتفظت بعض النجوم حتى الآن بأسمائها العربية القديمة مثل: النسر، والطائر، والدبران، وكذلك بعض المصطلحات الفلكية، مثل: السمت، العهدة، والمقنطرة، كما بقيت الكثير من المؤلفات الفلكية الإسلامية صامدة حتى زمننا الراهن، وبلغ عددها حوالي 10 آلاف مصنف ومخطوطة حول العالم، والكثير منها لم يتم تحليله واستعراضه بالشكل الكافي والمواكب لأهميته وثراء محتوياته.
تضم «أوركسترا الفردوس» 50 عازفة من 23 جنسية مختلفة، وبأعمار تتراوح من 16 إلى 51 عاماً، وهذا التنوع الأنثوي المزدحم بالموهبة، يصب في مصلحة التنوع الثقافي لمرجعيات تذوقية خصبة، وبالتالي، فإن اجتماعها تحت مظلة مشتركة وفي قاعة واحدة، يمثل ما يمكن وصفه بـ «اليوتوبيا الموسيقية»، فعلى أرض «إكسبو دبي 2020» يتحوَّل المستحيل إلى مُمكن، والخيالي إلى مُتحقّق، والمجازي إلى مّجسّد.
إنها التجربة الموسيقية الفريدة التي راهن عليها منظمو الحدث العالمي، لأنها تقام في مناخ كوزموبوليتي بامتياز، وفي مكان يحتضن دوماً التنوع الثقافي بأريحية بالغة ودون تكلّف، فهنا تحت قبة «إكسبو» يمكن للموسيقى أن تُآلف بين الأضداد، وأن تجعل من التباين البشري مساحة جمالية تصدح فيها جوقة الترانيم الممتدة من الأرض إلى السماء، ومن الصحراء إلى الفضاء، ومن الجزء إلى الكل، وبتناغم ملحوظ، تترجمه «أوركسترا الفردوس» بإيقاعات متدرجة من «الديمينوندو» التمهيدي إلى «الكريشندو» الختامي، وكأنها تتسلق حرفياً «السلّم الموسيقيّ»، كما أنها أوركسترا تجمع بين العزف المتقطع والعزف المتواصل لتقول للمستمع إن اختلاف النوتات الموسيقية لا يعني تحييدها، بل توظيفها في أدوار تناسب موقعها ضمن النسيج العام لفكرة العمل، وغرضه، ورسائله الجمالية والإنسانية.

إيه. آر.رحمن.. من هو؟
فنان هندي عالمي جمع بين الموسيقى والشعر والسينما، يلقبه البعض بـ «مواز مدراس» ومدراس، هو الإقليم الهندي الذي ولد فيه رحمن عام 1967م، وسبق لمهرجان دبي السينمائي الدولي تكريمه في العام 2011 وجاء في حيثيات التكريم أنه فنان يجسّد مصدر إلهام وإيحاء للكثير من الموسيقيين والمؤلفين، إذ ساهم في إدخال روح جديدة من الموهبة الخلاقة في قطاع السينما الهندية. ومن خلال الانتشار الذي حقَّقه على الصعيد الدولي، والذي خوّله التعاون مع عدد من أفضل موسيقيي العالم، حيث برهن رحمن أن الموسيقى تسمو فوق كافة الحواجز، والمعوقات، التي تقف في طريق الحوار، والتواصل الحضاري، ما بين الشعوب والدول.
حصل «رحمن» مرتين على جائزة الأوسكار، ومرتين على جائزة «غرامي»، وعدد من الجوائز التقديرية، التي نالها على مجموع أعماله، في قطاعي الموسيقى والسينما الهندية والعالمية، وهو أول مؤلف موسيقي يخصّه المهرجان بجائزته المرموقة هذه.
ويملك هذا المؤلف الموسيقي الهندي، والمغني، وكاتب الأغاني، والمنتج الموسيقي، والناشط الخيري، رصيداً هائلاً من الأعمال الموسيقية، التي يزيد عددها على 100 أغنية مؤلفة بأكثر من لغة هندية، إضافة إلى أغانٍ مؤلفة باللغة الإنجليزية، ولغة الماندرين.
ونال عن عمله ومشاركته الموسيقية في فيلم «المليونير المتشرد» جائزتي أوسكار عن فئة أفضل موسيقى تصويرية أصلية لفيلم، وعن فئة أفضل أغنية أصلية.
أما عن عمله على الموسيقى التصويرية لفيلم «127 ساعة»، فقد حصد جائزة «جولدن جلوب»، وجائزة «بافتا»، فضلاً عن نيله ترشيحات عديدة في جوائز الأوسكار.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©