الجمعة 3 ديسمبر 2021
أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
ثقافة
د. عبدالله الغذامي يكتب: المقهى الذي قتل المروءة
د. عبدالله الغذامي يكتب: المقهى الذي قتل المروءة
السبت 23 أكتوبر 00:08

هذه قصة شهدتها بنفسي وسمعت حولها كل شيء دون أن أشارك بأي رأي، إذ كنت صغيراً في الثامنة من عمري عام 1954، وكانت الجلسة في مجلس والدي ووقتها تم فتح مقهى على الجهة الخلفية من حارتنا، وهذا أول مقهى يفتح وسط البلد، ومن قبل ذلك كان على أطرف عنيزة منشآت تسمى بالكراج وتنطق بالقراش، وهو حوش في داخله فناء واسع على جنباته غرف وفيه مطبخ كبير ومغاسل، ومسور بسور رفيع وله باب كبير مفتوح على مصراعيه، وفي المكان حارس يواظب كل الوقت، وحتى لو نام فهو متجهز للتيقظ بمجرد سماع منبه سيارة على الباب، وكانت السيارات حين ذاك شاحنات كبيرةً، وكلما جاءت شاحنة عابرة لوجهة غير عنيزة فإنها تدخل للقراش «الكراج» وينزل الناس في الغرف وتقف السيارة وسط الفناء، ثم يذهب الحارس، ويأتيهم من السوق بما يريدونه من مواد ويطبخها لهم أو يطبخها أحدهم، وأهم شيء فيها هو اللحمة، بينما الباقي يكون في مخزن القراش، ويمكثون عادة يوماً للراحة، ثم يتحركون إلى وجهتهم أياً كانت، وهذا يسد حاجة المسافرين، ولكن أحد شباب عنيزة قرر فتح مقهى يخدم المسافرين ويخدم أهل البلد، وجعله في وسط المدينة، مما سبب مناقشة الموضوع ذلك اليوم، وكان الرأي الغالب ضد فكرة المقهى لأسباب عدة، من أهمها عندي هو رأي طرحه أحد أصدقاء والدي وحظي بقبول من معظم الجالسين، وذلك بقوله: إن هذا المقهى في وسط عنيزة سيقطع المروءة بين الناس لأن المعتاد مما تبقى من زمن الأولين أن الغريب الآتي للبلد هو ضيف على البلد.
والمعتاد في هذه الحالة أن يذهب الغريب إلى أي مسجد ويجلس في المسجد بعد الصلاة، هذه علامة على أنه ضيف طارئ على البلد، وكلما رأى المصلون وجهاً غريباً انتظروا لما بعد الصلاة وراقبوه، فإن خرج خروجاً عادياً فسينتهي الأمر، أما إن جلس، فهو إذن ضيف ينتظر الضيافة، وسيتسابق الناس إلى دعوته، وهذه هي ثقافة المروءة المتبقية للناس التي سيهددها المقهى وسط البلد وسيكون المقهى في هذه الحال إعلاناً من أهل عنيزة أن بيوتنا مغلقة في وجه الغريب، هذه فكرة الرجل ضد المقهى، وهذا هو المعنى الذي تحكم في تلك الجلسة وكل الجالسين كبار في السن، بينما عمي عبد الرحمن وهو أشبهم انبرى للدفاع عن المقهى وأنه تطوير لعنيزة ويدخل بها لعالم الحداثة «لم يستخدم عمي كلمة الحداثة حينها ولم تك الكلمة من معجم ذاك الزمان ولكني هنا أترجم فكرته فحسب»، وكنت مع عمي في هذا الموقف، لكن صغر سني يمنعني من الإدلاء برأيي وهذه تعد من أخلاق المجالس، إذ ليس للصغير أن يتكلم في مجالس الكبار، ولكن القصة ظلت تشاغل ذاكرتي كلما زرت عنيزة فيما دار من زمن وكلما رأيت محال الفاست فود والمقاهي الحديثة أعادتني لتلك المحاورة التي كانت تنعى المروءة والكرم بعد أن أصبحت القهوة تباع وفراش النوم يؤجر على ضيوف البلد، وحين ينقطع الكرم تنقطع المروءة.
لقد توفي كل من كان في ذلك المجلس، رحمهم الله وجمع بينهم في جنته، وبقيت منهم قصة من قصص القلوب النقية التي صعب عليها أن ترى المروءة تنتحر وسط البلد وأمام مشهد الكل، رغم أن الواقع حينها يشير إلى أن كرم الضيافة على وشك الأفول بذلك المقهى أو بغيره، ولكن الأمر لم يهن عليهم ولم يك الحدث عندهم مجرد حدث تجاري أو استثماري معقول ومبرر.

الأكثر قراءة
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2021©