مدريد (الاتحاد)

شهدت فعاليات «أيام الشارقة الأدبية» التي تنظمها هيئة الشارقة للكتاب، بالتعاون مع «البيت العربي» في إسبانيا، جلسات نقاشية وندوات معرفية، تناولت حجم التبادل الثقافي التاريخي بين العرب والإسبان، حيث جمعت «الأيام» في كل من مدريد وقرطبة أدباء وباحثين وكتّاباً في حواريات مفتوحة حول تاريخ القهوة في المنطقة العربية وإسبانيا، ورمزية الماء ودلالاته في الأدب الأندلسي.
وفي جلسة «رحلة القهوة العربية»، قال عبد العزيز المسلّم، رئيس معهد الشارقة للتراث: «القهوة أساس الضيافة في المجالس العربية، ورمز للكرم، كما إنه يوجد مهنة خاصة لمن يعد القهوة يسمى (القهوجي)؛ لذلك فإنه بعد إعلان اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1971 تم وضع القهوة على الدرهم، في تأكيد على اعتزاز الدولة بها».
أوضح المسلّم: «يحمل الدرهم الإماراتي واحداً من أشكال وأنواع الدلال المعروفة في المنطقة العربية، وهي الدلة القريشية، التي تصنع من النحاس، وتوضع لها أقراط كأقراط النساء»، مشيراً إلى أن أول دلة استخدمت في الإمارات تاريخياً هي دلة صنعت من الفخار، في وادي حقيل في رأس الخيمة.
وعن أنواع دلال القهوة، أوضح المسلّم، أن دلال القهوة في الإمارات ثلاث، وهي الدلة الكبيرة التي تسمى الخمرة؛ لأن القهوة تختمر بها، والثانية هي المزلة، والثالثة هي التلجيمة، التي تلقم فيها القهوة بالمطيبات، لافتاً إلى أن مطيبات القهوة عديدة، ومنها الزعفران، والهال، وماء الورد، والقرنفل، وللمبالغة تضيف بعض القبائل العود في القهوة.
وتحدث عما يعرف في القهوة الإماراتية العربية بالفنجان «المسبوع»، وهو الذي يضاف إليه نكهات ماء الورد، والزعفران، والقرنفل، والهال، وجوزة الطيب، والبن، مشيراً إلى أن المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان يطلب هذا الفنجان ويحبه.
وعن أسماء فناجين القهوة في التقاليد الإماراتية، قال المسلّم: «لدينا تسميات لفناجين القهوة، منها فنجان الضيف، وفنجان الكيف، وفنجان السيف، وفنجان الحيف، وكلها لها حكايات مرتبطة بتقاليد»، مضيفاً «أما عن عادات شرب القهوة وخاصة للضيف، فهي أنه يجب عليه شرب ثلاثة فناجين، ومن العيب أن يرد أحدها، وبعد ذلك أي الفنجان الرابع، فيمكن للضيف أن يعتذر عن عدم شربه».
من جانبه، توقف إنكارنا جوتيريز عند الدور التاريخي للقهوة في بناء جسور للتواصل والتبادل الثقافي بين العرب والإسبان، مؤكداً أن القهوة ظهرت في الحبشة وانتقلت إلى اليمن ثم منطقة الخليج، لتصل بعد ذلك إلى شمال أفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط، في حين وصلت إلى أوروبا في القرن السادس عشر وتعزز حضورها في القرن السابع عشر، ما فتح الباب لعلاقات استيراد قوية بين المنطقة العربية وأوروبا عامة.

  • جانب من جلسة «رحلة القهوة العربية» (الصور من المصدر)
    جانب من جلسة «رحلة القهوة العربية» (الصور من المصدر)

وأوضح أن استيراد القهوة لم يكن مقتصراً على حبوب البن، وإنما شمل تبادلاً ثقافياً، وحضارياً، ودينياً وصل مع القهوة إلى أوروبا، مشيراً إلى أن هذا الدور التاريخي للقهوة ترسخ عبر الزمن، وباتت القهوة اليوم رمزية للقاء والحوار والتواصل.
من جانبه، استعرض ألفونسو كوبادو، أوجه الاختلاف في ثقافة تناول القهوة بين العرب والأوروبيين، لافتاً إلى أن الإسبان والأوروبيين عموماً يتناولون القهوة بشكل سريع، بينما يرتبط هذا المشروب في الدول العربية بالذوق، ويعد مشروباً مهماً ويشعر من يتناوله بالسعادة.
وأشار إلى أن المنكهات تُعد أحد أوجه الاختلاف في ثقافة تناول القهوة بين العرب والأوروبيين، مشيراً إلى أن القهوة العربية تتميز بنكهة خاصة عند خلطها بالزعفران والهال، بينما الأوروبيين يحصلون على طعم مختلف للقهوة عند خلطها بالحليب والشوكولاته.
وخلال جلسة «الماء في الشعر العربي والأندلسي» أكد خوسيه ميغيل بويرتا أنه مع ظهور الإسلام في الأندلس، بدأ استخدام الماء ودلالاته في الشعر والأدب وفي النصوص الصوفية الأندلسية بكثرة، معيداً ذلك إلى أن ثقافة الإسلام قائمة على الصفاء والسلام والحياة، مؤكداً أن ذلك يمكن تلمسه في تأمل قصور الأمويين التي تتزين جدرانها بأبيات شعرية تتغنى بجماليات الماء، بالإضافة إلى البرك والنوافير.
بدوره، استحضر الشاعر والمترجم خوان أنطونيو بيرنييه مجموعة من النصوص التي تكشف حضور الماء في الشعر العربي والأندلسي، مؤكداً أن الماء يمكن أن يشكل جسراً يربط الماضي بالحاضر من خلال التجربة الشعرية.
من جانبه، أشار عوض الدرمكي إلى مكانة الشعر والشعراء عامة في الثقافة العربية، موضحاً أن القبيلة العربية كان إذا نبغ فيها شاعر تتوافد إليها القبائل وتهنئها به؛ لأنه سيحفظ ذاكرتها ويروي أمجادها.
وأكد أن رمزية الماء وحضوره في القصيدة الأندلسية كبيرة ومتعددة الأشكال، موضحاً أن الشعراء العرب وظفوا الجليد، والمطر، والأنهار، والأودية، في تجسيدهم لرمزية الماء في قصائدهم.

  • الجلسة تناولت طقوس وتاريخ القهوة
    الجلسة تناولت طقوس وتاريخ القهوة

أحمد العامري: الأمم تنهض بانفتاحها على العالم استناداً إلى تجربتها الأصيلة
حول «أيام الشارقة الأدبية»، قال أحمد بن ركاض العامري، رئيس هيئة الشارقة للكتاب: «إن الحديث عن مد جسور التواصل وتعزيز المشترك الثقافي بين العرب ونظرائهم من الأمم في العالم، ظل بتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، فعلاً يتجسد على أرض الواقع ونلمس أثره، ونكشف تأثيره وعمقه في الكثير من المبادرات والجهود، ففي فعاليات (أيام الشارقة الأدبية) ظهر حجم التقارب والتأثير المتبادل بين الثقافتين العربية والإسبانية، لتوسيع أفق المشروع الحضاري للإمارة».
وأضاف: «نؤمن أن الأمم القوية تنهض بانفتاحها على العالم وتوسع أفق حوارها معه، ولكن بالاستناد إلى تجربتها الأصيلة، وما شهدناه في فعاليات (الأيام) من تفاعل وحضور إسباني كبير، يعكس التأثير الكبير والتاريخي للثقافة العربية على أوروبا كاملة، ويعزز رؤيتنا تجاه الانطلاق من هويتنا الخاصة لفتح حوار متكافئ ومثمر مع مختلف الثقافات والحضارات في العالم».