إيهاب الملاح (القاهرة)

يعد مجال «نقد النقد» أو دراسة مواقف وتصورات النقاد والخطابات النقدية التي تم إنتاجها في سياقات تاريخية وثقافية معينة، واحداً من مجالات الكتابة البحثية المغرية لكثيرٍ من المتخصصين في مباحث الدرس الأدبي والنقدي المختلفة، منذ بروز هذا الشكل من الكتابة النقدية، في نقدنا العربي، في النصف الثاني من القرن العشرين. وفي هذا الإطار، تأتي هذه الدراسة في حقل نقد النقد ونقد الدراسات الفلكلورية المعاصرة بعنوان «النخبة والعامة.. الموقف من الأدب الشعبي في العصر الحديث» للدكتور خالد أبو الليل أستاذ الأدب الشعبي والمأثورات الشعبية بكلية الآداب جامعة القاهرة.
ويثير الكتاب الكثير من الجدل الثقافي حول الموقف الفكري والثقافي لعددٍ من مثقفي ومفكري العالم العربي من الأدب الشعبي والمأثورات الشعبية عموماً في العصر الحديث.

إضاءات مهمة 
وهذا الكتاب، كما يقول صاحبه، امتدادٌ لجهودٍ علمية مهمة، بدأت مع جهد الراحلة ألفت الروبي في كتابها المرجعي المهم «الموقف من القص في تراثنا النقدي» (1990)، واستمرت مع جهود الناقد العراقي عبدالله إبراهيم في أكثر من كتاب، خاصة كتابه «السردية العربية، بحث في البنية السردية للموروث الحكائي العربي» (1992)، وجهود سعيد يقطين في أكثر من دراسة، خاصة دراسته القيمة «الكلام والخبر، مقدمة للسرد العربي» (1997)، وجابر عصفور في كتابه «زمن القص: شعر الدنيا الحديثة» (2019).
وهي جهود سبقتها إشارات وإضاءات مهمة من عبد المحسن طه بدر، ولحقتها وقفات بحثية لكل من سيد البحراوي، وعبدالله العروي، وعبدالفتاح كيليطو، وسامي سليمان، وضياء الكعبي، وغيرهم.

مواقف المستشرقين
والدراسة التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة، تقع في 288 صفحة من القطع الكبير، وتتكون من مقدمة وتمهيد ومدخل، وأربعة فصول متصلة، وخاتمة، وتتصدى الدراسة لبحث وفحص الموقف من الأدب الشعبي في البيئات الثقافية والنقدية والفلكلورية في العصر الحديث (المستشرقين، وأعلام التنوير والنهضة الفكرية في العصر الحديث، ورواد الدراسات الشعبية من الجيلين الأول والثاني)، ممهداً لها بتناول الموقف من الأدب الشعبي في التراث العربي القديم.
ويتشكل الفصل الأول الذي يتتبع فيه خالد أبو الليل مراحل هذا الاستشراق في العصر الحديث، وتياراته، ومواقف المستشرقين واتجاهاتهم البحثية في كتبهم التي وصلتنا مترجمة إلى العربية في القرن التاسع العشر، للتعرف على أسباب اهتمام الغرب بالشرق، الأمر الذي استدعى ضرورة التوقف عند أهداف هذا الاهتمام ودوافعه الأيديولوجية والسياسية والثقافية.
وفي الفصل الثاني يبحث أبو الليل مقاربات رواد النهضة والتنوير الفكري ومواقفهم في القرن ذاته من الأدب الشعبي والمواد الفلكلورية، مستعرضاً آراء رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، وأحمد فارس الشدياق، وجمال الدين الأفغاني، وإبراهيم المويلحي، وغيرهم، ثم اختتم هذا القرن بدراسة مواقف اثنين من أبناء الثورة العرابية، هما الإمام محمد عبده، وعبدالله النديم، للكشف عما بينهما من اختلافات أيديولوجية وسياسية.

خطوة مهمة
ويأتي الفصل الثالث ليدرس موقف النخبة العربية من الأدب الشعبي والأدب العامي في النصف الأول من القرن العشرين، وقد تمثلت اختيارات المؤلف، في عينة منتقاة من مفكري هذه الحقبة التاريخية، تمثلت في العقاد وطه حسين وأحمد ضيف وسلامة موسى وأحمد أمين، إلى جانب أمين الخولي وأحمد تيمور.
كما يأتي الفصل الرابع والأخير لبحث دراسات الأدب الشعبي في مصر ومؤسساته في الفترة من 1952 وحتى 2011.