محمد نجيم (الرباط)

«الشعر اختلاس للفرح، حدس اللحظة، وإمساك بالمنفلت، هو إلقاء التحية على العالم وسط الإعصار، والشاعر كيميائي، يسعى إلى تحويل الخسيس إلى معدن نفيس. والشاعر جسور يسبق إلى تسمية الأشياء، ويفتش عن الكلام. فكل شاعر حقيقي هو آدم جديد يتكشف له العالم باستمرار، باحثاً له عن أسماء، عبر صقل اللغة وإزالة صدأ الاستعمال، إذ اللغة تتسخ بكثرة التداول والاستعمال كالقطعة النقدية»، بهذا يفتتح الباحث والأكاديمي والمترجم المغربي محمد آيت لعميم كتابه الجديد «قصيدة النثر، في مديح اللّبس»، فالشعر اتخذ عبر التاريخ أشكالاً عدة، وإيقاعات مختلفة، وإذا كانت الأوزان، ظلت ملازمة للشعر، فإن هذا التاريخ من الأوزان الشعرية قد تحول في أزمنة الشعر المتأخرة قيداً يكبل الشعر ويحول دون تحرره. ثم تحول الشعر نحو النثر، مستفيداً من طاقاته وإمكاناته في محاولة جديدة لإسباغ نوع من المصالحة بين الأنواع الأدبية، وقد أسفرت هذه الرغبة في التقارب بين الأجناس إلى ما يسمى بقصيدة النثر والترجمة الصحيحة لهذه التسمية، هي «القصيدة بمواد النثر».
والتسمية أطلقها الشاعر الفرنسي شارل بودلير عنواناً فرعياً لديوانه «سأم باريس: قصائد نثر صغيرة»، والحال هذه فقد كتبت هذه القصائد قبل بودلير، ولم يهتد كاتبها إلى تسميتها، فآلسيوس برتراند كتب ديوانه «غاسبار الليل»، وكان رائداً لهذا النمط الشعري. أما التنظير لقصيدة النثر، فستدشنه الناقدة سوزان برنار بالأطروحة التي أنجزتها في باريس تحت عنوان «قصيدة النثر من بودلير إلى الوقت الراهن» في العام 1958 وظل كتابها من أهم المراجع التي قاربت قصيدة النثر.
وترجم لعميم، في كتابه هذا، مقالات وفصولاً من كتب، تعرضت بالبحث والتنقيب والتوضيح والاستدراك لإشكالية تحديد قصيدة النثر، وما حف بها من غموض والتباس، فالمقالة الأولى لنتالي فانسون مونيا، تبحث فيها عن قصائد النثر الأولى، مركزة على سأم الشعر، فهي ترى أن «السأم الميتافيزيقي» يجعل الكائن مزدوجاً. وأن قصيدة النثر تترجم بداخلها هذا السأم، أما المقالة الثانية، فهي لمشيل ساندرا، مقتطفة من كتابه «قراءة قصيدة النثر»، وهي عبارة عن فصل من هذا الكتاب، اختاره المؤلف لأنه فصل تعريفي، يفصل القول في تحديد القصيدة وعلاقتها بالأجناس القريبة منها. أما الفصل الثالث، فهو عبارة عن فصل من كتاب الناقدة دومينيك كومب «الشعر والحكي»، وهو فصل بأهمية بالغة لأنه يفسر أسباب ظهور هذه القصيدة في علاقتها بالتركيب الأجناسي، أما الفصل الأخير فهو يبحث في تجليات أشكال أدبية أخرى في علاقتها بقصيدة النثر، خاصة الهايكو الياباني.