هزاع أبوالريش (أبوظبي)

هناك بعض من الكتاب، وبعد مرحلة معينة من العطاء والشهرة، يقعون في براثن النرجسية وتضخم الذات، وينفصلون عن الواقع من حولهم، ويشيدون جدراناً عالية بينهم وبين القراء قد تصل إلى مرحلة التعالي، ومنهم من لا يتردد في التصريح بأنهم عباقرة زمانهم، إنها دائرة مظلمة تجعل الكاتب يعيش وسواس العظمة، الذي يسمى بالـ(ميغالومانيا)، ما يجعله معتزلاً عن الآخرين، مبتعداً بأفكاره، معتقداً أنه وصل إلى الحقيقة واليقين والكمال، وكل من حوله أقل منه معرفة وثقافة. مرحلة من مراحل جنون العظمة، قد تؤثر على شخصية المبدع وانتاجيته وتجعله منفصلاً عن واقعه، وغير متصل بالآخرين وأفكارهم ونشاطاتهم التي تصب في خدمة الإنسان والفكر والحراك الثقافي.
بداية، يقول نجيب عبدالله الشامسي، كاتب ومدير عام المسار للدراسات الاقتصادية والنشر، إن بعض الكتاب والأدباء وعدد من المثقفين يعانون عدم الفهم، ولديهم رؤية ضبابية وغير واضحة بشأن رسالة المثقف الحقيقية تجاه قضايا مجتمعه، مما يجعله يعاني نرجسية التعاطي مع تلك القضايا ويعيش في برجه العاجي، معتقداً أن رأيه هو الذي يجب الأخذ به، فيما ينظر في بعض الآراء، خاصة تلك التي تخالف رأيه، بأنها آراء لا تستحق الوقوف عندها، مشيراً إلى أن المثقف الأصيل هو من ينزل للشارع ليستلهم منه الفكر ويتعاطى مع قضايا مجتمعه كي يحظى بالاحترام والتقدير لشخصه ولرأيه.
وتابع الشامسي: يساعد على شعور العظمة الذي يخالج بعض المثقفين أنهم استطاعوا نسج علاقات جيدة بوسائل الإعلام التي تفسح المجال لهم ليرسخوا إحساسهم أنهم وصلوا إلى القمة، مما يشعرهم بالعظمة، ولكنهم في الواقع لا يستحقون تلك الهالة الإعلامية، بمعنى أن بعض وسائل الإعلام قد ساهمت بشكل كبير في صناعة شريحة من المثقفين يعانون تضخم الأنا، خاصة أولئك الذين صدر لهم كتاب أو كتابان بمساعدة أناس آخرين، ليظنوا أنهم قد وصلوا إلى القمة ولم يعد يجاريهم أحد ولكن سرعان ما ينكشفوا ويتأكد للرأي العام وللشارع الثقافي مدى ضحالة هؤلاء ليتواروا عن الأنظار بعد حين.
أما الدكتور شافع محمد النيادي، كاتب ومدرب في التنمية البشرية، فيقول إن جنون العظمة عبارة عن سلوك سلبي، وهو يعد مرضاً يصيب المعتقد الذهني لدى الشخص ويجعله يصل لمرحلة من الثقة العظيمة بالذات مستصغراً كل من حوله، ولكن من المؤسف الشديد أن يصاب المثقف بمثل هذا السلوك كونه يعد شخصية واعية تمتلك العلم والثقافة والمعرفة، والتي هي بدورها ترسخ المبتدئ والقيّم الإيجابية لدى المجتمع. متسائلاً كيف يستطيع المثقف حمل الرسالة المجتمعية ونقلها للآخرين وهو يعاني هذا الاضطراب المزمن، وكيف يستطيع الوصول للآخرين ويستحوذ على أفكارهم ومشاعرهم وهو بهذا النقص النفسي، والتركيبة التي تجعله منفصلاً عن واقعه ويعيش في حالة من العزلة، والوهم النفسي، وكما يقال دائماً وأبداً: «فاقد الشيء لا يعطيه».
وبيّنت الكاتبة سلوى الحوسني، أن من الجميل في الشخصية الواعية والمثقفة أن يكون لديها نوع من الثقة بما تملك من فكر وثقافة، ولكن حين تتحول الثقة إلى درجة من درجات الاضطراب النفسي، يدخل المثقف في حالة من الانغلاق الفكري، ويكون هناك فاصل كبير بين المثقف والآخر، وعازل يسد المسافة بين المبدع والآخر وتبدو رسالته الإنسانية ثقيلة في الوصول لمكانها المناسب.